//Put this in the section

بتكليف أو من دونه حكومة تصريف الأعمال مستمرة

سركيس نعوم – النهار

أمضى اللبنانيون عطلة نهاية الأسبوع وهم يطرحون أسئلة كثيرة على أنفسهم تتعلق بالاستحقاق المهمّ اليوم الذي تأخّر عن موعده الطبيعي، لا الدستوري، وهو الاستشارات النيابية الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية بعد استقالة الحكومة من أجل تكليف من ينال غالبية فيها تأليف حكومة جديدة. ويمكن تلخيصها بالآتي: هل ستُجرى الاستشارات في موعدها أم تُرجأ؟ وإذا أُجريت ماذا بعد انسحاب سمير الخطيب الذي كان صار عليه توافق مبدئي بين “حزب الله” ورئيس الحكومة المستقيلة ورئيس الجمهورية ورئيس “التيار الوطني الحر” وربما “حركة أمل”، رغم ما تردّد من كلام عن اعتقاد البعض فيها أنه ليس على قدر المهمة ام تكلف بعد انسحابه شخصية سياسية أخرى نيابية أو غير نيابية وربما غير سياسية تأليف الحكومة الجديدة؟ وهل يُحتمل أن يُعيد التكليف الرئيس الحريري المستقيل الى السرايا الحكومية، ولا سيما بعدما امتنع أياماً عن إصدار بيان تأييدي للخطيب، رغم مطالبة “طبّاخي” الحكومة به واكتفى بتأييده وبايجاز شفهياً أمام عدد من الاعلاميين في “بيت الوسط”؟ وما هي نسبة الاتفاق على شخص ثالث لهذه المهمة الصعبة؟ وألم يفت الوقت لذلك؟ أما إذا لم تحصل الاستشارات فماذا يكون سبب إرجائها؟ تحرّك “الثورة” الشعبية كما يسمّيها القائمون بها مثل تظاهرات ومحاصرة مؤسسات عامة أو محاولة قطع طرقات أو محاولة الوصول الى القصر الجمهوري؟ أم موقف سياسي إسلامي سنّي يمثل غالبية مهمّة يرفض تكليف الخطيب؟ وهل تتبنّى هذا الموقف المرجعية الدينية الأولى لأهل السنة؟ وأليس في ذلك خروج على تأييدها للرئيس المستقيل باعتباره الأكثر تمثيلاً نيابياً وشعبياً للسنّة؟ وهل يُحتمل أن يكون ذلك بضوء أخضر منه؟ وإذا حصلت هل تعيد الغالبية النيابية تسميته رئيساً مكلفاً تأليف الحكومة الجديدة؟




طبعاً غالبية هذه الأسئلة لا جواب عنها الآن. وقد يبقى بعضها المهم من دون جواب حتى ليل الأحد – الاثنين موعد اجتماع كتلة نواب “تيار المستقبل” لاتخاذ القرار النهائي في هذا الموضوع. لكن ما يعتقده العارفون هو أن حكومة الحريري ستبقى مدّة طويلة تصرّف الأعمال بموافقة غالبية الأطراف المهمّين والفاعلين في البلاد، وإن كلّف رئيسها سعد الحريري تأليف حكومة جديدة لأن المطالب الاستيزارية كثيرة وشروط “الثورة” صعبة التلبية، ولأن بعضها تبنّاه الحريري بعد استقالته ولم يصدر عنه علانية على الأقل موقف يُشتمّ منه التخلّي عنها. وستُصرّف الأعمال مدّة طويلة أيضاً إذا كُلّف غيره مهمة التأليف. أو اذا تعذّر حصول التكليف لأسباب متنوّعة. وهذا أمر تعتبره قوى فاعلة شبه حتمي لأن البلاد في انهيار متنوّع ولأن المنطقة في حال تجاذب بل صراع كبير بين محور “المقاومة والممانعة” المؤيَّد من روسيا واستطراداً الصين وله جمهور لبناني مهم وقوي، وبين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والعرب واللبنانيين وفي مقدمهم أهل الخليج ودوله العربية، رغم بروز حاجة الى التهدئة بين الفريقين في المدة الأخيرة.

لكن الحاجة وبسبب كونها ماسّة ورغم العمل لتلبيتها من قبل الوسطاء الاقليميين والدوليين، تفرض تمسّك كل من الفريقين بمطالبه وبقوته في كل المواقع وعدم التنازل قبل التوصل الى تهدئة أو ربما هدنة يمكن أن تمهّد لحوار مستقبلي. وذلك كله يحتاج الى وقت طويل. ولبنان هو أحد هذه المواقع وربما أقواها رغم “الثورة” التي فاجأت “المحور” وقد لا تكون فاجأت الفريق الثاني. علماً أن نشوبها كان غير مُخطَّط له في نظر كثير من العارفين. كما أن العراق يبقى موقعاً قوياً له رغم ما يجري فيه منذ أشهر. وغني عن القول أن موقع القيادة يبقى قادراً على استمراره في المواجهة القوية رغم الاحتجاجات المهمّة التي تعرّض لها مرتين أو ثلاث مرات بعد ما سُمّي “الثورة الخضراء” منذ نحو عشر سنوات أو أكثر بقليل.

ماذا عن “ثورة” اللبنانيين وما هو مستقبلها؟ يجيب عدد من الذين رحبوا بها من دون أن يكونوا جزءاً منها ومن الذين عملوا لها ولا يزالون، أنها “تنطفئ” شيئاً فشيئاً رغم أن “قشرتها الوطنية” الرقيقة تشعّرت لكنها لم تنكسر. والسبب الأساسي أن انتصارها من الصعوبة بمكان. فمن جهة وقفت غالبية شيعية كبيرة ضدها رغم أنها تعاني مثل سائر اللبنانيين. ووقف ضدّها تيار سياسي مسيحي له تمثيل شعبي مهم رغم انكفائه في بدايتها إما تهيّباً وإما تعاطفاً مع بعض المطالب. وتعاطف قسم مهمّ من السنّة معها وشارك بعضهم فيها لأسباب متنوّعة معروفة ثم ازدادات مشاركتهم بعد استقالة الزعيم الأوسع تمثيلاً لهم الرئيس الحريري. وشارك فيها على نحو غير رسمي ولكن فاعل جمهور الزعيم الدرزي الأبرز. وحماها الجيش والقوى الأمنية الأمر الذي حال دون انهائها في سرعة بعدما شعر الفريق الأقوى في البلاد أنه مستهدف وقرّر أنه لا يستطيع تحمّل هذا “الترف”. لكن من جهة ثانية بدأت جهات عدة التدخّل فيها من دون علم جمهورها الكبير. معارضوها تسلّلوا إليها وهم اليوم يعملون داخلها علانية على تنوّعهم. ومؤيّدوها من قوى الخارج الغربي والدولي بدأوا استغلالها عبر مجموعات لبنانية أو أفرادٍ. وقد استخدمها ولا يزال أطراف أربعة استناداً الى سياسي بارز متعاطف معها لأسباب متنوّعة، هم الأميركيون وأجهزة عربية معادية لها. وفريق لبناني يعتبر أنها تستهدفه مباشرة ورجال أجهزة رسمية غربية ومحلية. طبعاً الشعب الموجوع كانت غالبيته فيها ولا تزال. ولكن الى متى يستطيع البقاء وسط الإنقسام اللبناني والخلل في التوازن الداخلي بين “شعوبه” وهو لمصلحة “المستهدفين” بالثورة ووسط الانهيارات المتنوعة، ما حصل منها وما سيحصل؟ فهؤلاء يعرفون أن ديبلوماسياً أميركياً كبيراً أكد قبل سنوات طويلة أن حليف إيران في لبنان ورمٌ مؤذٍ لا بد من استئصاله ولو كلّف ذلك لبنان الكثير ولو كان على حساب اللبنانيين. فهل تعتقد واشنطن أن أوان ذلك قد حان وأنها قادرة على ذلك بعد تراجعاتها الخارجية في ظل إدارة ترامب؟