//Put this in the section

ميقاتي: المسار لا يبشّر بالإنقاذ

مجد بو مجاهد – النهار

في رحلة البحث عن وجهة سير تخرج البلاد من صحراء الضياع الحكوميّ، لم يجد فريق رؤساء الحكومات السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمّام سلام، ما هو أصوب من تصويب “البوصلة الدستورية” – المصطلح الأكثر ترداداً في فلك الرؤساء والذي يختصر ورشتهم القائمة – سعياً، وفق رؤيتهم الخاصّة، للوصول الى واحة تروي ظمأ العطشى الى حكومة تنعش شرايين لبنان الاقتصادية والاجتماعية. عدّة تصليح البوصلة الحكومية يشرح ميقاتي كيفية استخدامها والإجراءات التقنية التي يحتكم اليها هؤلاء الرؤساء لاعادة النبض الى مؤشّرها الممغنط في قوله إن “الهم الوطني هو هاجسنا الأساسي في الظروف الصعبة التي تشهدها البلاد، مع التأكيد على أن اجتماعنا لا يشكل تنظيما سياسيا. ومن هذا المنطلق انكبّ الرؤساء على تصليح البوصلة الدستورية وحض المعنيين على اتباع الأصول الدستورية ومنع تجاوزها، ذلك أن الدستور يشكل حاجة لكل الذين يتعاطون الشأن العام”.




“التوهان” الحكومي تمثل في الأيام الأخيرة، “في الممارسة السياسية التي سادت ما يشبه عملية التكليف الحكومي والتأليف قبل الدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة، وهذا ما لا يجوز إطلاقا”، وفق ميقاتي، الذي يرى أنه “اذا كان المعنيون تغطّوا بتفصيل أن رئيس الجمهورية ليس ملزما بمهلة زمانية لإجراء الاستشارات، إلا أن الدستور ينص على أنه عندما تستقيل الحكومة تجري هذه الاستشارات. وبذلك، ربط الدستور إطلاق الاستشارات باستقالة الحكومة، وليس مقبولا التشكيل قبل استشارات ينتج منها تكليف رئيس للحكومة الجديدة”. ويشدد على أنه “ما كان حصل انتقاص من هيبة النواب والمؤسسات الدستورية وشخصية رئيس الوزراء المقبل، علما أن رئيس الحكومة لا يمثل السنّة فقط بل اللبنانيين أجمعين. فهل يقبل اللبنانيون أن يشهد موقع رئاسة الوزراء هذا الحضيض؟”.

نجح الرؤساء في تصويب البوصلة، وفق تأكيد ميقاتي في قوله إن “جهودنا أثمرت، إذ تمت الدعوة الى الاستشارات تلقائيا بعد إصدار البيان”. يدفع هذا الانكباب الذي أبداه رؤساء الحكومات الى السؤال عمّا اذا كانت هذه البوصلة تلتقط أيّ ذبذبات خارجية ترجّح اتجاهها أو تمثّل تقاطعا مع رؤية رؤساء الحكومات إلى مآلات الواقع اللبناني، الا أن ميقاتي يؤكّد أنه “ليس هناك أي اتصالات أجريناها خارج الحدود مع أي كان. نتمتع بالحس الوطني ونقوم بما يرضي ضميرنا، وذلك ليس لحساب أي أحد أو ارضائه”. ويكمن الانطباع الأبرز الذي يسجله ردا على سؤال عن قدرة الحكومة المرتقبة على الانقاذ، في اعتباره أنه” اذا لم يتغير نمط التعامل مع الاحداث ومسار التشكيل، ولم يتفاعل المعنيون مع نبض الناس على الطرق وفي الساحات باتخاذ خطوات انقاذية واصلاحية، فمن الصعب توقع تحسن في الاوضاع. من دون اصلاحات لا يمكن الاستمرار، والمسار الحالي لا يبشّر بالانقاذ”.

إبرة البوصلة اتجهت نحو سعد الحريري رئيساً مكلّفاً جديداً تعتزم كتلة “العزم” تسميته في إثنين الاستشارات، وهذا مردّه الى أن المرحلة تتطلّب البحث عن أصحاب خبرة وليس عن أشخاص غير متمرسين في الشأن العام ولا يمكن أن يتولوا سدّة الرئاسة الثالثة في بلد مأزوم. ويرجع الدعم الميقاتيّ للحريري أيضاً نتيجة الصفحة الجديدة التي كتبها الرجلان بُعيد الانتخابات الأخيرة، باعتبار أنها لمصلحة البلاد ولا بدّ من التمسّك بها. كما أن مفاعيل التسوية الرئاسية لم تنته، وهي أفضت الى أسس عنواناها ميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة.

هل تتقاطع اشارات بوصلة ميقاتي ورفاقه الرؤساء مع انطباعات الشارعين الشعبي والسياسي؟ ترى أوساط مراقبة على بيّنة واضحة من مشهد “التوهان” أن الترشيح الافتراضي للخطيب لا يلقى صدى لاعتبارات عدة، أبرزها أنه نزل من مظلة عالم المقاولات التي لا يمكن إدارة البلاد عبرها راهناً. فالتململ السياسي واضح ولا مواقف دقيقة من الكتل النيابية، وهناك حذر من مفاعيل الحراك في الشارع. ولا يغيب عن المشهد الشارع السني الذي يبدو أن بوصلته تؤشّر الى وجهة السير نفسها التي تبنّتها ثلاثية الرؤساء. وهناك من يعتبر أن ضرب “التريو” الرئاسي على الطاولة أثمر في الشارع السني، خصوصاً أن هناك ملاحظات توجّه الى المرشّح الخطيب بأنه لا يطابق مواصفات المرحلة ولم يسبق له أن دخل الشأن العام.

ماذا عن بوصلة دار الفتوى؟ لا صحّة لما أشيع عن اعتزامها اصدار بيان لتحديد موقف من تكليف الخطيب بخلاف ما روّج من أنباء مغلوطة. ويؤكّد مصدر مطلّع لـ”النهار” أن “دار الفتوى لن تصدر أي بيان من شأنه دعم أي من المرشحين المفترضين ولن تدخل في هذا البزار ولا يمكن طلب أيّ موقف ضمني مشجّع أو غير مشجّع منها”. لكن هناك من يهمس في الكواليس أن موقفها أقرب إلى ثلاثية رؤساء الحكومة. واذ يقوّم أحد المراقبين أن”عدم اعلان موقف من دار الفتوى هو موقف يعكس عدم الرضى”، يرى أن”احتراق ورقة الخطيب من عدمه يعلن الاثنين والأمور غير واضحة حتى الساعة، ولا بدّ من مراقبة وضع الشارع”.

أما المطّلعون عن كثب على البوصلة العربية، فيلاحظون أن مؤشراتها لا تتجه نحو الخطيب رغم ما أشيع من أنه ينال اجماعاً، لكن هذه المعطيات أقرب الى المبالغة وعدم الدقة. فهناك نوع من اللامبالاة العربية تجاه الوضع اللبناني الحاليّ، باعتبار أن الخيار اللبناني في التسويات اتخذ و”افعلوا ما تريدون”. ولم ترشح أي محاولات جدية من الداخل اللبناني لإعادة لبنان إلى الحاضنة العربية، ولم يصدر فعليا أي موقف رسمي لبناني يعبر عن نيّة العودة اللبنانية إلى الحضن العربي. ويستقرىء المطّلعون غياب المساعدات، فالغربة العربية دليل واضح على عدم الرضى على الوضع اللبناني، وهذا ما يدفع المطلعين الى القول أن الحكومة المطروحة ستعجل الانهيار أكثر في ظل غياب الغطاء الخارجي… وضياع البوصلة الداخلية.