//Put this in the section

جولة في الأسواق… الأزمة في وجوه الناس و”بعضهم يستدين لسد جوعه”

أسرار شبارو – النهار

موجة غلاء تضربُ لبنان مع ارتفاع سعر صرف الدولار، طالت قدرة اللبنانيين الشرائية لا سيما المنتمين إلى الطبقتين المتوسطة والفقيرة، فمعظم السلع والمنتوجات سواء المحلية منها أو المستوردة زاد سعرها وإن بنسب متفاوتة، والنتيجة عائلات وصل بها الحال إلى عدم تمكنها من شراء حاجاتها الأساسية وليس فقط الكماليات.




الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصفُ بلبنان هزت استقرار عائلات، محلات تجارية أقفلت، موظفون طردوا من وظائفهم فيما البقية العظمى منهم حسمت رواتبهم، وزيادة على ذلك، كانت الطامة الكبرى بغلاء الأسعار. داخل منازل اللبنانيين آلاف القصص الحزينة المخبأة خلف الجدران، آباء يعجزون عن تأمين قوت أولادهم من الأطعمة ذات المكونات الرخيصة الثمن، فكيف إذاً بتلك المحضرة من اللحوم والدجاج؟! التي أصبحت مع ارتفاع أسعارها صعبة التأمين. من 250 ليرة إلى عدة آلاف فرض على كل لبناني زيادة مقابل كل سلعة يريد شراءها، ما يعني أن المبلغ الذي سيقتطع من مدخوله اليومي والشهري ليس بقليل، فكيف إن كان يقبض بالليرة اللبنانية التي هبطت قيمتها بعد ارتفاع سعر الدولار.

وضع يرثى له

وفي جولة لـ”النهار” على السوق في منطقة الشياح تبين مدى وجع الناس والضائقة المالية التي يمرون فيها، إحدى السيدات كانت تقف داخل محل لبيع الخضر، تتحدث بغضب مع الموظفة، وعند سؤالها عن السبب كان الجواب المفاجئ، بأن إشكالاً وقع بينها وبين صاحب دكان للسمانة مجاور رفع أسعار بضائعه إلى حد كما وصفته جنوني، وشرحت: “قلت له (ارحمونا بدنا نعيش)، فقبل غلاء الأسعار لم يكن باستطاعتي العيش، كيف الآن”؟!. وقالت: “أنا امرأة طاعنة في السن من هذه المنطقة، أعيش في منزل بدل إيجاره 180 ألف ليرة في الشهر، لا معيل لي إلا الله، أولادي الثلاثة متزوجون ولديهم أولاد، أعمل في طبخ الطعام على الطلب لأحصل على مصروف لا يكفي بالتأكيد ويشهد الله اني لا أملك ألف ليرة الآن”، لافتة إلى أن “كيلو العدس بـ 3 آلاف ليرة، الكوسا اصبحت بـ2500 ليرة بعد أن كانت بألف، الخيار كان سعره 1000 ليرة الآن أصبح 1500 ليرة، العنب أصبح بـ3000 بعد أن كان بـ 2000 ليرة، كيلو البطاطا نوعية جيدة بـ1250 ليرة في حين كان سعرها 1000 ليرة، أوقية اللحمة بـ6000 ليرة، مع العلم أني لم آكلها منذ زمن فكيف بعد ارتفاع سعرها”، وعن الطعام الذي تطبخه في ظل الظروف الصعبة أجابت: “تركيزي على العدس والحبوب كونها أرخص شيء”.

فقر مدقع

وكحال معظم كبار السن في لبنان الذين يجدون أنفسهم في السنوات الأخيرة من حياتهم من دون مدخول يستندون عليه، جلس محمد عياد على باب محل لبيع الملابس المستعملة فيما كانت زوجته ميساء فتوح (من الجنسية السورية) داخل المحل توضب البضاعة، حيث شرحت مدى الحال الصعب الذي يعيشانه، وقالت: “في الأمس بدأت العمل كي نتمكن من شراء الطعام، راتبي 400 ألف ليرة، منذ ثلاثة أشهر ونحن نستدين من أجل سد جوعنا، نحمد الله أنه ليس لدينا بدل إيجار منزل كوننا نسكن في بيت والد زوجي، كما ليس لدينا أولاد”، لافتة: “نعيش (على قدنا) لا نشتري اللحم والفواكه والحلويات، نتمنى من الله أن يُفرج حالنا فلم نعد نستطيع التحمل أكثر”.

جهد مضاعف

وفي محل لبيع اللحوم جلست فاديا جوني (من مارون الراس) تنتظر انتهاء اللحام من إعداد كيلو كفتة لها، وهي الوالدة لثلاثة أولاد جميعهم عاطلون عن العمل كذلك حال زوجها، حيث عبرت عن صدمتها من ارتفاع الأسعار الذي أثر كما قالت: “بشكل كبير على ضبط المصروف، فكيلو اللحم البقر أصبح بعشرين ألف ليرة بينما كان بـ12 ألفاً، أما اللحم الغنم فقفز سعره إلى 35 ألفاً بعد أن كان بـ 25 ألف ليرة”. وتابعت بسخرية “من باستطاعته أن يشتري لحم الغنم الآن! (البقر انجق قادرين نشتريه)” وعن مصروفها اليومي أجابت: “يختلف من يوم إلى آخر، لكن بالتأكيد أحاول جهدي ضبطه كي نستطيع الاستمرار”.

الاستناد إلى مال الاغتراب

أمام محل لبيع الملبوسات الشعبية وقفت خيرية البقيلي من بيروت تقلّب في الألبسة، تحدثت عن كيفية تأثير ارتفاع الأسعار على وضعها، لاسيما وأنها تمتلك وزوجها دكاناً للسمانة، وقالت: “منذ بدء الأزمة توقفت عن شراء بضائع جديدة، فعلى سبيل المثال علبة البون جوس كان سعرها 3250 ليرة أصبحت الآن 4000، ما يعني أن سعر الواحدة منها ارتفع من 250 ليرة الى 500 ليرة، كذلك حال سعر البن الذي ارتفع سعر إحدى العلامات التجارية منه، من 4000 ليرة الى 5500 ليرة، مع العلم انه قبل اندلاع الثورة خفت حركت البيع”. وأضافت: “أنا من الطبقة الوسطى ولازلت محافظة على وضعي بفضل ابني وابنتي المقيمين في دولة الكويت والمواظبين على إرسال المال لنا، وإلا لكان حالنا تدهور ولم نتمكن من تأمين أدنى متطلبات عيشنا”، شارحة “حتى الآن لم أتأثر بالأسعار، فقبل ارتفاعها اشتريت كل حاجياتي بكميات كبيرة وهذه عادتي منذ زمن”.

خشية من المستقبل

على عكس خيرية، عبّرت ليال سليمان (من البقاع) عن غضبها من ارتفاع سعر صرف الدولار الذي أثر على القيمة النقدية لراتبها، وقالت: “أنا معلمة مدرسة متقاعدة، أحصل على راتب شهري مليون و900 ألف ليرة، وبسبب انخفاض سعر صرف الليرة فقد الكثير من قيمته”. وأضافت: “عددنا في المنزل 10 أفراد، يومياً نحتاج الى مصروف يصل الى 100 ألف ليرة، هذا رغم تقليصنا كل المصاريف غير الضرورية، فمثلاً لم نعد نشتري الثياب، طعامنا يقتصر على طبخة من دون مقبلات، لا نعلم ما الذي ينتظرنا أكثر في هذا البلد، نخشى أن يتأزم الوضع أكثر”.

معدلات الفقر مرشحة للارتفاع

وعن الموقف من قياس ظاهرة الفقر في حال استمر تردي سعر صرف الليرة تجاه الدولار وفي حال انعكس هذا التردي في زيادة تكاليف المعيشة شرح الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان قائلاً: “لايوجد دراسات إحصائية ميدانية جديدة لظاهرة الفقر، لكن يوجد تمرين قياسي أجراه البنك الدولي مؤخراً بعد انفجار الأزمة، وهو يشير إلى أن معدلات الفقر قد تتضاعف في الأشهر القادمة إذا اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وبين السعر الحر، وهي تفترض فيما لو تجاوزت هذه الفجوة الـ25 بالمئة ارتفاعاً في تكاليف المعيشة وارتفاعاً في نسبة الفقراء الذين يعيشون تحت الخط الأعلى للفقر”.

“عشية أحداث تشرين كانت نسبة الفقراء حسب آخر تقديرات بالاستناد إلى دراسة الإحصاء المركزي والبنك الدولي بحدود الـ 30 بالمئة وهي مرشحة للارتفاع إذا ما زادت الأسعار 25 بالمئة، ومرشحة للارتفاع من 30 بالمئة إلى أكثر من 50 بالمئة، يعني نصف المجتمع اللبناني سيعيش تحت الخط الأعلى للفقر، وبكل المقارنات الدولية تعتبر هذه النسبة مرتفعة جدا وتنذر بمخاطر كبيرة على الاستقرار الاجتماعي”، قال الدكتور حمدان، قبل أن يضيف: “للأسف قدرة الدولة سواء الاقتصادية أو المالية أو الرقابية على مواجهة ظاهرة من هذا النوع محدودة جداً في ظل الظروف الراهنة، ما يجعلنا نتوقع خضات اجتماعية كبيرة جداً، وربما تسارع تفكك “جمهور” الطوائف عن زعمائه، ما يعني توسع القاعدة الاجتماعية للقوى المنتفضة الآن في شوارع لبنان وساحاته، وهذه الانتفاضة مرشحة للتحول الى ثورة اجتماعية لاسيما وان المعالجات المطلوبة تتجاوز بكثير إمكانات الدولة اللبنانية”.