هل ما زال الحراك قادراً على تعطيل التسوية الحكومية المنتظَرة؟

ابراهيم بيرم – النهار

مع طغيان أي معطى أو مؤشر يشي بإمكان ان تمضي التسوية الحكومية المنشودة قدماً، يشحذ الحراك الشعبي المعسكِر في الشارع همّته ويكثّف جهوده الى اقصى الحدود لاثبات حضوره من خلال قطع بعض الطرق والمعابر وتحدي السلطات واجهزتها وذلك على غرار المشهد الذي فرض نفسه ليل اول من امس.




فلقد بات جلياً بفعل التجارب شبه اليومية انه مع دنوّ حل الازمة المتأتية اصلاً من انطلاق الحراك نفسه ومن ثم مع استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، يستشعر الحراك الملوّن والمتعدد المشرب ان وقت خروجه من معادلة المشهد الملتهب ووقت مغادرته دائرة الاضواء الساطعة قد حان، وتالياً يعزّ على هذا الحراك ان يجد نفسه قد غادر الساحات التي خيّم فيها منذ اكثر من خمسين يوما مفجراً غضباً مكبوتاً عمره اعوام، فيشرع على الفور بتزخيم نفسه ورفع منسوب تحديه للسلطة قاطعاً من الضعف قوة، لكي يدحض عملياً كل ما يقال عن ان دوره قد شارف الانتهاء بعدما ادى قسطه للعلى، ليضاف ما اقدم عليه الى رصيد سابق من التحركات الشعبية الاعتراضية والاحتجاجية.

وعليه فان السؤال الذي طُرح على نحو مكثف خلال الساعات الأخيرة التي اعقبت تقدم خيار سمير الخطيب مرشحاً لرئاسة الحكومة مدعوماً من ثلاثي “امل” و”التيار البرتقالي” و”حزب الله”، اضافة الى ضمان دعم “تيار المستقبل”، هو: هل ان الحراك الذي شغل دنيا السياسة اخيرا قد أنس من نفسه قوة تجعله يستشعر ان في امكانه تعطيل قطار التسوية الحكومية، اذا ما قدِّر له ان ينطلق فعلا خلال الساعات المقبلة؟

الاجابات تتعدد، لكن الثابت في قراءة “الثلاثي” إياه ان الحراك الذي انطلق مدعوماً بتعاطف واسع وهو يحمل شعارات رفضٍ ودعوة الى اصلاح وتغيير لا يرقى الشك الى أحقيتها، قد استنفد اندفاعته بفعل اعتبارات عدة ابرزها:

– سلبيته المطلقة حيال الدعوة التي وجهت اليه بغية الاستفادة من الواقع المتحول الواعد الناجم عن الحراك، عبر صوغه ورقة مطالب اصلاحية ومن ثم فتح قنوات حوار مع النخبة الحاكمة من موقع قوة واستفادة من التراجع والارتباك الذي ابدته هذه النخبة في الايام الاولى لانطلاق الحراك.

– وبمعنى آخر، لم يستفد هذا الحراك من “اللحظة الثورية المؤاتية” وظل اسير شعارات تعجيزية اطلقها استهلالا مثل اسقاط كل التركيبة الحاكمة وتحريم الحوار معها، والاكثر من ذلك عجزه عن بلورة واجهة قيادية مأذون لها النطق بلسانه، فبقي الحراك عبارة عن كتلة مائعة يسهل خرقها وحرفها.

– مبادرة قوى محسوبة في الاساس على السلطة وهي جزء من النخبة الحاكمة منذ اكثر من ثلاثين عاما، الى استغلال الموقف ومن ثم مد اليد إلى الحراك عبر لعبة قطع الطرق، مما اوجد احتقانا وموجة رفض واعتراض كبرت مع مرور الايام وعكست نفسها سلباً على الحراك وصورته. وعندما بادر الحراك الى اعلان التحلل من علاقته بـ”قاطعي الطرق” لم يلقَ ذلك الصدى المتوقع، وبدا كأن الوقت قد فات خصوصا وقد سجلت احداث واجراءات كبناء الجدران في نفق نهر الكلب والناعمة، ما ايقظ في ذاكرة الناس صور الحرب الاهلية المقيتة.

– ليس خافيا ان الحراك الشعبي ولدواعٍ عدة، افتقد بعد الاسبوع الاول لانطلاقته تعاطف جزء كبير من الشريحة الشيعية التي ما لبثت ان وضعت نفسها على طرف نقيض من الحراك، راسمة حوله اكثر من علامة استفهام ومحاصرة اياه بأكثر من شبهة.

والارتياب عينه ينطبق على شريحة مسيحية لا يستهان بها، لاسيما وقد ركز الحراك تصويب سهامه على العهد محملاً اياه حصراً تبعة التردي وخطر الانهيار.

– امام تلك التطورات المتسارعة ضاعت محاولات بذلها الحراك المتعقل بغية تنزيه الحراك عن كونه حراكا سياسيا، واعادة تركيز الانظار على الشق المطلبي الاجتماعي، لاسيما بعد التظاهرات امام مصرف لبنان وفي محلة “الزيتونة باي”، فضلاً عن التظاهر امام منازل شخصيات سياسية بعينها تنكَّب بعضها مسؤوليات مالية اساسية ابان الحكومات المتعاقبة، اذ بدت تحركات متواضعة لم تشارك فيها الا قلة قليلة، وسرعان ما انتهت فبدت في خاتمة المطاف كأنها من باب رفع العتب ليس الا.

– لم يعد خافيا ان ثمة عنصرا مهما اكل من رصيد الحراك هو عنصر الوقت الطويل المهدور من دون بروز نتائج وثمار معينة إلا نتيجة استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري. وبعد هذا “الفوز المبين” دخل الحراك شهره الثاني ولا يبدو ان النخبة الحاكمة في وارد التغيير في سلوكياتها وادائها، والثمن الوحيد الذي اعلنت انها في وارد الإقدام على تقديمه هو الوعد باشراك ممثلين عن الحراك في الحكومة المنتظرة، وهو امر دونه محاذير منها من هو المؤهل ليكسب فضيلة التمثيل هذه، فضلاً عن انه يحوّل الحراك جزءا اضافيا من النخبة الحاكمة، او في احسن الاحوال رقيبا على اعمال الحكومة.

في كل الاحوال وفي اليوم الخامس والخمسين لانطلاق الحراك، بدا انه اعجز من ان يظل حاضرا في الشارع وقادرا على التحرك والفعل والمبادرة، خصوصا بعدما ابدت قيادة الجيش جدية حقيقية في إنفاذ قرارها بمنع قطع الطرق وضمان حق العابرين. واستطراداً فان ثمة استنتاجا تتعامل معه السلطة بجدية وفحواه ان الحراك ليس قادرا على تعطيل اي تسوية حكومية تلوح في الافق، خصوصا اذا ما تعامل الرئيس الحريري بجدية معها وقرر السير بها.