//Put this in the section

الثنائي الشيعي: بناءً على هذه المعطيات يماطل الحريري وتتأخر ولادة التسوية الحكومية

ابراهيم بيرم – النهار

يُنقل عن دوائر “حزب الله” وحركة “أمل” التي أُوكِلت اليها اخيرا مهمة متابعة مسار التفاوض مع الرئيس سعد الحريري بغية التوصل الى صيغة حكومية يبادر هو الى تأمين الغطاء لها، ويكون شخصياً خارج صورتها التذكارية، قولها انها كلما شعرت (الدوائر) ان مسار النقاش والتفاوض اوشك ان يبلغ صيغة التسوية المنشودة، وانه صار قادرا على الخروج وزفّ البشرى الى المنتظرين، فان الحريري ما يلبث ان يُخرِج فجأة من “كمّه” شروطا جديدة وطروحات ليست في الحسبان، ومن ثم يبادر الى فتح سجال حولها ويجعلها اشكالية ليختم النقاش بترك باب التفاوض مفتوحا الى اليوم التالي.




على هذا المنوال كان الحريري، استناداً الى الدوائر عينها، ينسج طوال ثمانية جلسات حوار تمت بينه وبين ممثلَي “الثنائي الشيعي” علي حسن خليل وحسين الخليل منذ استقالته المدوية قبل نيف واربعين يوماً، وكان آخرها ليل اول من امس.

وعليه فان السؤال المطروح هو: ماذا تقرأ الدوائر عينها في هذا السلوك “الزئبقي” و”غير الحاسم” الذي يسير الحريري على نهجه؟

تتعدد الاستنتاجات والخلاصات التي تخرج بها هذه الدوائر من خلال رصدها لهذا الامر، وابرزها:

– ان الرجل لم يتكيف بعد مع فكرة انه سيكون في يوم قريب خارج المنصب الذي تخلّى عنه طوعاً منذ فترة، ولم يتقبل فكرة ان هناك مَن سيشغله سواه، حتى وإن كان يعي ان الامر موقت وان عودته الى كرسي الرئاسة الثالثة مسألة وقت.

– ان الرجل يتصرف وكأنه ينتظر بروز معطى ما أو حدثاً معيّناً يقلب مسار الامور رأسا على عقب، ومن ثم يعيد عجلة الزمن الى مرحلة ما قبل انطلاق الحراك الشعبي في الشارع لتسقط معها كل الظروف التي أفضت الى تقديم استقالته.

– يبدو الرئيس الحريري مرتاحاً ضمناً الى واقعة ان مفاوضيه (“الثنائي الشيعي” و”التيار الوطني الحر”) لا يملكون ولا يلوّحون بخيار آخر غير خيار التمسك به شريكاً في أي صيغة حكومية يُنتظر استيلادها بين لحظة واخرى. وما دام ذلك ثابتاً فليس من مانع لديه من التمهل والتأني واستطراداً الابتزاز ليبدو هو سيد اللعبة وسيد الوقت في آن. فالامر الواقع هذا يعدّل الصورة النمطية التي رافقته مذ ولج شريكاً في التفاهم الرئاسي قبل اكثر من ثلاثة اعوام، فضلاً عن انه يعزز موقعه ورصيده لاحقاً امام جمهور شارعه.

– ان الحريري يسند ظهره في كل ذلك الى معادلة يدرك تماماً قيمتها الذهبية، وهي تقوم على امرين اثنين: الاول، ان طائفته بكل مرجعياتها الدينية والسياسية لم تتقبل الى الآن فكرة ان شخصاً آخر أياً يكن سيتولى منصب الموقع الاول المخصص للطائفة في دست الحكم. والثاني، ان أمر حرق أوراق مَن يمكن ان يتصدى لخلافته في الحكم هو أمر في المتناول دوماً، وواقع الحال خلال الاسابيع القليلة الماضية يثبت ذلك.

– ان الرئيس الحريري يبدي اطمئنانا ضمنيا الى ان لعبة الظهور بمظهر المستثمر في لعبة الشارع وقطع الطرق الرئيسية، امر هو ايضا في المتناول بدليل انه كلما كان الوقت وقت التفاوض الجدي والحاسم حول تأليف الحكومة يلتهب الشارع فجأة في مناطق لا توالي إلا الرئيس الحريري وتياره سياسيا، والشواهد العملانية باتت شبه يومية في الفترة الماضية، وان كان الحريري يحرص على التنصل علانية من علاقته بهؤلاء.

ومع ذلك فان الدوائر المعنية نفسها ما برحت لا تبدي ضيقاً بما هو حاصل ولم تفقد بعد خيار الصبر على المكاره الذي رفعته سلاحاً للتكيف مع التطورات الاخيرة منذ بدايتها بناء على جردة حساب واستشراف اجرتها، فهي (الدوائر) تعتبر في المضمر ان ساعة التسوية المنشودة آتية لاريب فيها، وإن احتاجت الى بعض الوقت، ووجدت من يماطل ويسوِّف. وهي تنطلق في هذا الاستنتاج من فرضية ان مناخات هذه التسوية وشروطها قد حلّت، وتاليا فان الحريري لا يملك ترف التراجع عنها والتحلل منها لانه يعي تماما مخاطر ذلك وارتداداته السلبية.

الى ذلك، فان الدوائر عينها لا ترى في نهج اضاعة الوقت واطالة امد انضاج التسوية الحكومية المنتظرة أشياء سلبية وبلا فائدة بالمطلق، بل ان هذا من شأنه ان يؤدي الى تعب الحراك وافقاده زخمه ووهجه من جهة، وعقلنته وكبح جماحه وتهوّره من جهة اخرى، وتقلل تاليا فرص استثمار البعض فيه وهو امر بدأت معالمه بالظهور تدريجا.

فضلاً عن ذلك، فالواضح انه لم يعد في مقدور خصوم الثلاثي “امل” – “حزب الله” – “التيار البرتقالي” اتهامهم بالتلكؤ عن المبادرة الى مساعٍ تفضي الى استيلاد الحكومة المنتظرة، اذ اثبتت التطورات ومسار التفاوض ان هذا الثلاثي يقدم التنازل تلو التنازل ويبدي مرونة مطلقة بهدف الخروج من عنق زجاجة الازمة، وان المشكلة عند الآخرين الذين عليهم ان يتلقّفوا الفرصة ويخرجوا من دائرة المماطلة وتمييع الامور.