//Put this in the section

الوضع لم يعد يُحتَمل… داني ضحية جديدة للوضع المعيشي المُرهق ووالدته تروي المأساة

أسرار شبارو – النهار

لم يعد هذا الوضع يُحتَمل. ضحية جديدة سارت بقدميها إلى الموت بعدما ضاقت أمامها سُبل العيش. فبعد جورج زريق وناجي الفليطي وغيرهما، ها هو داني أبو حيدر ينضم إلى لائحة الأشخاص الذين قرروا وضع حد لحياتهم بعدما عاشوا وجع القهر والدين والعوز. اليوم خطّ ابن الثالثة والأربعين سنة السطر الأخير من مسيرته على الأرض، رحل، بعد قرار من المؤكّد أنّه ليس الحلّ مهما بلغت الأمور سوداوية ومهما ضاقت السُبل بالإنسان. ماذا تنتظر الدولة لتتحرّك وتنقذ الوضع؟ ماذا بعد؟ أيّ المآسي تنتظرنا؟




طلقة “الرحمة”

“في الأمس أطلعت شركة دباس (في منطقة المكلس) داني الموظف لديها، أنها اتخذت قرار حسم راتبه إلى النصف. لم يستطع فلذة كبدي تحمل المزيد من الضغوط، لا سيما وأنه مديون بثلاثة ملايين ليرة، عدا عن أن عليه أقساطاً للإسكان ومصروف ثلاثة أبناء”، بحسب ما قالت والدته خضره درويش لـ”النهار” وهي تبكيه بحرقة وبصوت مطعون من خنجر المعاناة. وأضافت: “صباح اليوم، توجه داني إلى عمله ليعود إلى منزله في سن الفيل ـ مقطع السكة قبل انتهاء دوامه الذي كان في العادة حتى الخامسة مساء، كنت في المنزل مع زوجته، حين غافلنا عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، وصعد إلى السطح حاملاً بارودة صيد، سمعنا صوت طلقة نارية، سارعنا لمعرفة ما جرى، وإذ بي أرى مَن ربّيته بدموع العين، غارقاً بدمه، لا بل إن وجهه مقسوم إلى نصفين”.

حمل كبير

ضاقت سبل العيش بداني، فراتبه الذي كان بالكاد يكفيه، كما قالت والدته، “حُسم إلى النصف، وهو المديون بثلاثة ملايين ليرة. وفي الأمس طالبوه بالمبلغ، عندها لم يجد أمامه سوى خيار الموت”. واتهمت السياسيين في لبنان بأنهم خلف ما جرى لابنها، فقالت: “لم نصل إلى هذا الوضع الاقتصادي المتردي إلا بسبب إصرار السياسيين على البقاء في الحكم. أدعو إلى محاسبتهم، كما أدعو الله أن ينتقم منهم، فدم ابني في رقبتهم، خسرت بسببهم روحي وقلبي ونبضي، كيف لي أن أصبر على فراقه؟ كيف لأولاده الثلاثة (ولدان وفتاة) أكبرهم يبلغ من العمر 14 سنة وأصغرهم ست سنوات، أن يكملوا حياتهم من دون سندهم؟ كيف لي أن أطلعهم على أن والدهم انتحر لأنه لم يعد بإمكانه تأمين قوت يومهم؟ مع العلم أني ووالده وشقيقه نسكن معه في المنزل، حِمله كان كبيراً أثقل كاهله إلى حد أنه فضّل الانتحار على إكمال مشوار الحياة”.

فتحت القوى الأمنية تحقيقاً بالحادث. وبحسب ما قال مصدر في قوى الأمن الداخلي لـ”النهار”: “لا يزال التحقيق في بدايته، ننتظر التقارير العلمية ليبنى على الشيء مقتضاه. فحتى الآن لا يمكننا الجزم بأن داني أقدم على الانتحار”.

ردّ الشركة

ولاحقاً، ردّت شركة “دباس” ببيان جاء فيه: “تلقت مجموعة شركات دباس ببالغ الأسى والحزن خبر وفاة أحد أجرائها المرحوم داني ابي حيدر، الذي لطالما اتسم بحسن السيرة والسلوك بشهادة كل الذين عرفوه وعملوا معه.

إن المرحوم داني ابي حيدر عمل ومارس مهامه لأكثر من اربعة وعشرين عاماً لدى مجموعة شركات دباس، وهو من أكفأ وأخلص الأجراء الذين عرفتهم المجموعة، وقد استمر بقبض كافة أجوره ومخصصاته بالرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها بلدنا لبنان؛ كما حضرصباح اليوم كالمعتاد الى العمل الا أنّه طلب أن يتغيّب لبقية اليوم بسبب ظرف عائلي.

تأسف مجموعة شركات دباس لما يتم تداوله في بعض وسائل الاعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بأن المرحوم داني ابي حيدر قد صرف من عمله، وتؤكد أن هذا الخبر عار عن الصحة، وتدعو الى توخي الدقّة قبل اطلاق او نشر اية شائعات بهذا الشأن.

إن مجموعة شركات دباس، إذ تتقدم من اسرة الفقيد داني ابو حيدر بأحر التعازي، تشارك عائلته ومحبيه في الصلاة عن راحة نفسه”.

الطب النفسي

توضح المعالجة النفسية وأحد مؤسسي جمعية Embrace ميا عطوي لـ”النهار” أن “90% من أسباب الوفاة عن طريق الانتحار يكون بسبب مرض نفسي يمكن معالجته، لكن هذا لا يُغيّب دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تزيد من حدة الضغوطات. نعرف جيداً أن الضغوط المعيشية وعدم القدرة على تأمين لقمة العيش من شأنها أن تؤثر على الشخص وتجعله يعيش اكتئاباً أو اضطراباً أو قلقاً، لكن هذا لا يُلغي أيضاً وجود عوامل الخطر عند الشخص وميوله الانتحارية التي تظهر واضحة عند مواجهته لظروف صعبة. لذلك، كعلماء نفس، لا يمكننا أن نبحث في الأسباب التي دفعت ناجي إلى الانتحار لأننا لا نعرف ماضيه، وما يحمله في داخله، وما عاشه من صدمات وجروح نفسية، لكن الأكيد أن ناجي كان يعيش صراعاً داخلياً وشعوراً بالعجز أدى إلى تفاقم مشاعر الحزن والاكتئاب والتعب وفقدان الأمل”.

وتشرح أن “الانتحار هو أمر يمكن الوقاية منه. تسعون بالمئة من حالات الانتحار تنتج عن شكل من أشكال المرض النفسي الذي يمكن علاجه. معظم الأشخاص الذين يحاولون أو يقومون بالانتحار يعانون من واحد أو أكثر من الاضطرابات النفسية القابلة للعلاج مثل الاكتئاب، اضطراب ثنائي القطب، الإدمان على الكحول أو المخدرات، والفصام. لذلك نستطيع تجنب عدد كبير من محاولات الانتحار والموت المفجع في حال التدخل السريع وفي الوقت المناسب، من هنا تعود أهمية التشديد والتركيز على العلامات التحذيرية التي تساعدنا في التدخل المبكر”.

وتشدد عطوي على أنه من المهم أن نعرف أن “الشخص الذي يحاول الانتحار ليس شخصاً أنانياً أو ضعيفاً، ولا يريد فعلاً إنهاء حياته، إنما يريد التخلص من الألم الكبير الذي ينتج عن مرض نفسي والذي بجزء كبير ينتج عن مشاكل عضوية وبيولوحية ووراثية، بالإضاقة إلى العوامل النفسية والبيئية. لذلك توفير البيئة الحاضنة ووجود الدعم الاجتماعي يلعبان دوراً أساسياً في الحماية من مخاطر الانتحار، ويساعدان الشخص على مواجهة صعوباته”.

وتختم متوجهة “إلى الاشخاص الذين يعانون قائلة”: “لا تخجل من طلب المساعدة، ولا تخف من الحديث، هناك حوالى 20% من اللبنانيين يعانون من مرض نفسي و25-50% من اللبنانيين يمرون بوقت عصيب من حزن وضغط واضطرابات نفسية ستزول في حال طلبت المساعدة. لذلك هدفنا تشجيع الناس على الحديث، أن نقول لهم إننا هنا من أجلهم، وإننا مستعدون لسماعهم متى أرادوا ذلك. إنهم ليسوا بمفردهم، وإن هناك على الطرف الآخر من السكة من يُريد سماعه في أي وقت. يعرف جيداً المتطوعون في الخط الساخن ما يعيشه الناس من قلق واكتئاب وضغوط نفسية واجتماعية، لذلك لا تترددوا في طلب المساعدة” على خط الحياة 1564، وهو الخط الوطني الساخن للوقاية من الانتحار في لبنان بالتعاون مع البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة.

علم الاجتماع

من جهته، يؤكد عالم الاجتماع الدكتور أحمد عياش أن “وحدها حدة الاحتقان النفسي تخطت الخطوط الحمر في الذات اللبنانية فالصعوبات الحياتية والضغوطات الاقتصادية والمالية والأعباء العائلية والحالة الصحية مجتمعة تنحو بالمزاج إلى الحزن والخيبة والاكتئاب، والأخطر إلى شعور اللاجدوى من المبادرة ومن العمل غير المنتج، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من اليأس من إمكانيات النفس الممزقة والروح المتكسرة، ما يضع “الأنا” اللبنانية أمام خيارات مصيرية، فإما السرقة وإما الإجرام وإما الانتحار وإما الانتفاضة، وكلها حلول مرفوضة من الضمير ومن الدين ومن القانون، ما يجعل “الأنا” تقارن نفسها بالآخرين وتتهم نفسها أكثر بالفشل والتقصير”، مضيفاً أنه “أمام هذا الصراع النفسي يختار أصحاب المناعة النفسية وأصحاب التربية العنفوانية إلى الانتفاضة والثورة، بينما البعض الآخر من أصحاب البنية النفسية العدوانية يختارون الإجرام، في حين يختار أصحاب النفسية المسالمة والمرهفة والحساسة والعالية الكبرياء، الانتحار. منذ شهر حذّرنا من الأزمات المالية والنقدية والانتحار والإجرام، وها نحن اليوم نواجه هذا الواقع”.

خط الحياة (1564) هو الخط الوطني الساخن للوقاية من الانتحار في لبنان بالتعاون مع وزارة الصحة. يتلقى الخط الساخن الاتصالات بسرية تامة بين الساعة 12 الظهر و2 صباحاً.