//Put this in the section

إجراءات المصارف مسكّنات غير ناجعة بانتظار حسم الوضع الحكومي

لا تزال الأسواق المالية في لبنان في انتظار ما سيصدر عن البنك المركزي من تعاميم جديدة بخصوص تسيير العمليات المصرفية اليومية وكيفية مقاربة التوجه لخفض معدلات الفوائد السارية، لتنضم إلى تدبير لجنة الرقابة على المصارف الرامي إلى ضبط مبادلات العملات وأحجامها لدى الصيارفة بالتزامن مع السعي لطمأنة صغار المودعين من خلال إعداد مشروع قانون لرفع قيمة ضمان الودائع إلى نحو 50 ألف دولار، وفق السعر الرسمي.

وتتفق مصادر مصرفية متابعة على وصف أي إجراءات جديدة، بالمسكنات غير الناجعة طالما لم يواكبها انقشاع في الرؤية على المسار الحكومي العالق بين تأخير الاستشارات النيابية وحسم التباينات بشأن هوية الحكومة الجديدة. وتثبت هذه المعادلة الاستجابة الفورية للأسواق مع أي معلومات إيجابية، رغم ندرتها، تصدر عن مرجعيات القرار، بينما لم تظهر أسواق بيروت أي تفاعل إيجابي مع انعقاد الاجتماع المالي الموسع في قصر بعبدا يوم السبت الماضي.




وفي رصد أجرته «الشرق الأوسط»، أظهرت تصرفات عملاء البنوك، في أول أيام العمل عقب الاجتماع، زيادة في التوتر لجهة السحوبات التي طالت كامل مستحقات الرواتب في نهاية الشهر الماضي ومعظم مستحقات الفوائد على شريحة الودائع المستحقة الأجل وأجزاء من أصل المبلغ المودع، مع ميل البعض إلى إلغاء تجديد التجميد والتحول إلى الحسابات الجارية لضمان التمكن من السحب لاحقاً. وتواصل الضغط بوتيرة تصاعدية أيضا على أجهزة الصرف الآلي الخالية تماما من الدولار الورقي.

بالتوازي، اعتمدت المصارف عموما إجراءات جديدة أكثر تشددا من حزمة تدابيرها السابقة في تلبية طلبات العملاء. فالتحويلات إلى الخارج المشروطة بالضرورات لا تتم بشكل انسيابي، إنما هي مشروطة أيضا بتوفر السيولة لدى المصرف والتوقيت الذي يحدده لإمكانية التنفيذ. وتم خفض سقوف السحوبات إلى مستويات أدنى من الأيام السابقة، بحيث لا تتجاوز 5 ملايين ليرة 500 دولار (الورقي) أسبوعيا كحد أقصى، مع خفض هذه المبالغ إلى النصف أو الثلث لدى بعض البنوك. كما أن أغلب المصارف يمنع تنفيذ أي سحوبات من الودائع المربوطة لأجل قبل الاستحقاق، بعدما كان متاحاً التصرف بنسبة 10 في المائة من إجمالي المبلغ.

ولوحظت «فوضى» عارمة في إدارة العمليات عبر البطاقات المصرفية، حيث عمد بعض البنوك إلى تقنين تنفيذ العمليات على شبكة أجهزته الآلية لتشمل زبائنه حصرا، ما استجلب ردودا مماثلة من البنوك الأخرى. وهذه التصرفات تخالف تماما تعليمات البنك المركزي التي تفرض إتاحة تشغيل أي بطاقة صادرة عن أي مصرف على كل أجهزة الصرف الآلي التابعة لكل المصارف. كذلك عممت معظم المصارف على عملائها بعدم إمكانية استخدام البطاقات المصدرة بالدولار خارج لبنان، لا في أجهزة الصرف ولا في نقاط البيع. وتم أيضا اعتماد تخفيضات إضافية لسقوف السحب داخليا عبر البطاقة بالليرة إلى سقوف يومية وصلت في حدها الأدنى إلى 200 ألف ليرة، وسقوف أسبوعية لا تتجاوز 800 ألف ليرة.

أيضا، لم تشهد سوق القطع الموازية أي تفاعلات مختلفة عن القواعد التي رفعت سعر الدولار بنسب تراوح بين 30 و40 في المائة لدى الصرافين، وسط تقلبات يومية تتبع حركة العرض والطلب بين 2000 و2200 ليرة للدولار. في وقت يسري فيه اعتماد السعر في أسواق الاستهلاك، ويبقى السعر الرسمي البالغ 1507 ليرات للدولار لدى المصارف نظريا في معظم المعاملات، حيث يندر البنكنوت (الدولار الورقي) ويتم تقييد عملية التحويل بتجميد الحساب الناتج لمدة سنة وباحتساب جزء أو كل الفائدة التي فرضها البنك المركزي بنسبة 20 في المائة لتزويد المصارف بحاجتها إلى السيولة.

وبرز في هذا السياق طلب لجنة الرقابة على المصارف من مؤسسات الصيرفة المرخصة التقيد التام بالأصول المتبعة قانونياً في تنفيذ عمليات تبديل العملات، وخصوصاً حيال إصدار إيصالات بيع أو شراء لأي عملية تنفذها مؤسسات الصيرفة. وكذلك تزويدها أسبوعيا بتفاصيل عن أي عملية تفوق 10 آلاف دولار، وخصوصا مضمون العملية المنفذة لجهة التاريخ ونوع العملية المنفذة وقيمتها واسم العميل ومصدر الأموال وصاحب الحق الاقتصادي. وفرضت اللجنة أيضا على الصيارفة تزويد اللجنة بقيمة مجموع عمليات تبديل العملات التي تقلّ قيمة أي منها عن 10 آلاف دولار مفصلة وفقاً لنوع العملة.

واستدعى هذا التعميم تعليقاً من الوزير السابق ناصر السعيدي الذي غرد أن «أسواق الصرافة المتنامية والرقابة على المدفوعات في ظلّ الهلع الموجود في الأسواق، مؤشّر إلى الاتجاه إلى رقابة اقتصادية على الطريقة السورية». وبالفعل لوحظ أن التفاعل المحسوس على محاولة ضبط السوق الموازية في بيروت، ورد من السوق الموازية في سوريا، حيث ارتفع سعر تداول الدولار بشكل صاروخي ليقترب من سقف الألف ليرة (950 ليرة) لكل دولار.

وبحسب محضر الاجتماع الدوري بين حاكمية البنك المركزي وجمعية المصارف، أكد الحاكم رياض سلامة أن موقف مصرف لبنان والجمعية كان رافضاً لأي إجراء يطال الودائع، بما فيه تحويل نسبة مئوية (10 في المائة أو 15 في المائة) من ودائع العملات الأجنبية إلى ودائع بالليرة اللبنانية. وأكد على تعاونهما على تخفيض بنية الفوائد الدائنة، وبالتالي المدينة، وذلك لإطلاق عجلة الاقتصاد من جهة، والحد من ارتفاع الديون المشكوك بتحصيلها والتي تتزايد مع ارتفاع تكلفة الاقتراض. وأنه بصدد إصدار تعميم بهذا الخصوص في القريب العاجل. بينما ترجح مصادر مصرفية صعوبة تحديد معدلات الفوائد خارج القواعد السوقية المعروفة والتي تمثل فيها المخاطر وزناً نوعياً في الحالة اللبنانية، حيث تندرج الديون الحكومية والتوظيفات المصرفية لدى المركزي تحت تصنيف متدن عند المرتبة «سي».

وأوضح أنه «لا نيّة لمصرف لبنان بوضع أي قيود على التعامل بالليرة اللبنانية سحباً أو إيداعاً، وأن الضجة التي سرت حول هذا الموضوع تعود إلى كافة السحوبات على مصرف لبنان خلال الشهرين الماضيين بمعدل قارب 165 مليار ليرة لبنانية، ما حدا مصرف لبنان لطلب طبعة جديدة تصل في 20 الشهر الجاري. ما يعني أن المشكلة التي نشأت ظرفية وتعود لاعتبارات لوجيستية».

وأبلغ سلامة وفد الجمعية أنه بصدد دراسة إصدار تعليمات للمصارف تغطي الحدود التي وضعتها المصارف على تحويلات الزبائن للخارج، وعلى السحوبات نقداً انطلاقا من مسؤولية البنك المركزي بالحفاظ على حسن سير نظام المدفوعات وعلى سلامة النظام المصرفي، آملا أن تكون هذه التدابير والإجراءات ذات طابع مرحلي وانتقالي، بانتظار تشكيل الحكومة وعودة الوضع المالي والاقتصادي إلى المسار الطبيعي.

الشرق الأوسط