”دومينو” أزمة متدحرجة… ”والفقر نحو 50%”

مجد بو مجاهد – النهار

تتدحرج أحجار دومينو الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان حجراً حجراً مخلّفة انعكاسات سلبية سريعة ومتوالية مع بطء عملية اجتراح الحلول السياسية. وتتشابه سرعة الأزمة مع سرعة تدحرج الدومينو، ما ينذر بانتقال مشهدية الحجارة المتساقطة إلى مربّعات الأزمة الاجتماعية التي بدأت تكشّر عن أنيابها بأعتى الأساليب الدرامية من الحرق والانتحار إلى بيع الأعضاء. وإذ بلغ مجموع الذين يعيشون تحت خطّ الفقر 28% من الشعب اللبناني، ينذر استمرار الأزمة الحالية بارتفاع النسبة، بحسب إحصاءات البنك الدولي، إلى 50% مطلع العام المقبل، فيما يعيش اليوم 10% من اللبنانيين في ظلّ فقر مدقع. هذه الوقائع يستعيدها وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال ريشارد قيومجيان عبر “النهار”، محلّلاً معاني الصورة المنبثقة من تساقط “دومينو” الأزمة الاقتصادية، في قوله “إننا أمام شهور وربما سنوات صعبة، وفي صلب أزمة اقتصادية – اجتماعية مخيفة، مع انخفاض القدرة الشرائية وتراجع قيمة النقد بحوالي 30% وغياب فرص العمل وإقفال المؤسسات”.




وإذ يتخوّف من “تطور الأوضاع نتيجة الواقع الاجتماعي، مع انتشار ظواهر الانتحار ما يفتح المجال أمام التوقعات”، يقول إن “منطق الاحتكام إلى العدالة واحترام إرادة اللبنانيين يحتّم ضرورة تقديم طبقة سياسية جديدة وكفيّة ومستقلة. وإذا تشكلت حكومة سياسية كما يخالها البعض من دون أن تنال ثقة الشعب، سنذهب إلى الانتحار والانهيار وسنخسر الثقة الدولية وثقة الناس الداخلية في آن واحد”.

لم تُفقَد الثقة بالمؤسسات اللبنانية، في رأي قيومجيان، إذا “ما استُجيب إلى إرادة الشعب، فما يحصل في الشارع ليس حراكاً عادياً بل توق إلى حكم رشيد وطبقة سياسية غير تقليدية خالية من الفساد. إنّه تطوّر سياسي وثقافي وفكري هام جداً، توّاقٌ إلى ممارسة أسلوب جديد في الحكم وإلى طروح الدولة المدنية – العلمانية والحكم الديموقراطي الفعلي عوضاً من التقليد”، وفق قوله، مؤكّداً أن “القوات اللبنانية استشعرت غضب الناس وفكّرت في الاستقالة منذ أيلول ما دفع جعجع إلى إعلان ضرورة تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلّين من خارج السلطة”.

أرقام “دومينو” الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد مقلقة. وأشارت قياسات نسب الفقر في السنين الأخيرة قبل بروز الأزمة الحالية إلى نتائج يجب التوقّف عندها، وفق مقاربة ينقلها عبر “النهار” المستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومكافحة الفقر أديب نعمة. وتبيّن أن ثلث سكان لبنان فقراء استناداً إلى المتوسط الوطني، وبلغت النسبة ثلثي سكّان مناطق الأطراف في عكار وطرابلس والبقاع، وأطراف الجنوب وجرود جبل لبنان. وسجّلت الأرقام أن 15% فقراء من مجموع سكّان بيروت والمناطق ذات المستوى المعيشي الجيّد في جبل لبنان. ولم تسجّل النسب أيّ تبدّل إيجابي لناحية انخفاض عدد الفقراء خلال عقدٍ ونصف عقد، إلا أن تحسناً جزئياً بسيطاً طرأ بُعيد إقرار سلسلة الرتب والرواتب لمصلحة موظفي القطاع العام، لكن وضع الفئات المجتمعية الأخرى المعيشيّ لم يتبدّل.

وإذا كان واقعٌ مماثلٌ شهدته البلاد قبل استفحال الأزمة الحالية وارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، إلا أن المؤشّرات التي يعبّر عنها نعمة تشير إلى أن “نسب الفقر يمكن أن تصل إلى 50% من السكّان في ظلّ الركود الاقتصادي المترافق مع ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع الأسعار. ويساهم في هذا الواقع انضمام فئات من الطبقات الوسطى إلى الفئات الفقيرة أصلاً، في السنتين الأخيرتين، مع ارتفاع أقساط المدارس الذي أدى إلى استنزاف موارد قسم كبير من الطبقات الوسطى. ويتوقع أن يشكل هذا الارتفاع عنصراً أساسياً في الأزمة التي تواجهها هذه الفئات. ولا يغيب عن المشهد أن الركود الاقتصادي أدّى إلى توقف فئة من أصحاب الأعمال المستقلة عن أعمالهم، ما يدفع إلى توقع تفاقم الأزمة. وهناك فئة إضافية ستتأثر سلباً في المرحلة المقبلة شاملةً أصحاب الرواتب المنخفضة بالليرة اللبنانية”.

ويشمل الضرر الشديد أيضاً، وفق نعمة، “المحالين راهناً إلى التقاعد، ما يؤدي إلى تسديد تعويضاتهم على دفعات. ولا يُعلم ما مصير الرعاية الصحية، وإذا ما كانت الدولة قادرة على الاستجابة لما يتطلبه ملف الاستشفاء. ويُتوقّع أيضاً أن تعمّ الفوضى في السوق العقارية رغم أن بدلات الايجار قد تنخفض في ظلّ الركود الاقتصادي. وسيؤثّر ارتفاع أسعار المأكولات والمواد الاستهلاكية على انخفاض المستوى المعيشي، ولا بد من اتخاذ إجراءات فورية لمعالجتها”.

وتكمن المشكلة الأساسية، برأيه، في “عدم تقدير حجم الأزمة الحقيقية بسبب غياب مواقف المسؤولين الصريحة، وعدم معرفة الإجراءات الحقيقية التي ستتخذ على مستوى المصارف. وعليه، لا يمكن اقتراح المعالجة في غياب قياس حجم المشكلة. ولا بدّ من تشكيل حكومة من أصحاب الكفاية المستقلين وأصحاب القرار لمعالجة الأزمة التي تُترجَم من خلال خطة عمل من نوع جديد، وتساهم في معالجة ما يمكن علاجه للحد من الخسائر، وتوزيع الأعباء بطريقة عادلة على الجميع. ويستقرئ تضاعف حالة الغضب وتزايد مشاركة الحشود، وابتكار أساليب ضغط جديدة للوصول إلى نتائج”.