جهاد الزين - النهار

أضلاع المثلّث المالي – جهاد الزين – النهار

هناك رأيان في البلد كلاهما شفهي ومكتوب: رأي يقول إنّ ودائع اللبنانيّين وغير اللبنانيّين في المصارف، على اختلاف أحجامها، هي ودائع مهدّدة وأشبه بالمفقودة بعد إجراءات الـ Capital control التي أخذتها المصارف، وأنّ على أصحابها أن يتّجهوا نحو مصرف لبنان الذي صارت هذه الودائع لديه بمعظمها، وهو مسؤول عن ضمان إعادتها للمصارف الخاصّة، بسبب سياسة الاستدانة من المصارف التي انتهجتها الدولة على مدى سنوات طويلة، بدأت منذ أيّام الرئيس رفيق الحريري.

أمّا الرأي الآخر فيعتبر أنّ هذه الودائع للبنانيّين وغير اللبنانيّين، هي ودائع غير مهدّدة وبالتالي غير مفقودة، لأنّ ذلك إذا حصل سيعني نهاية القطاع المصرفي في لبنان، وفقدان الثقة الدوليّة والمحلّيّة والعربيّة به، وأنّنا حاليّا أقرب ما نكون إلى التجربة القبرصيّة أو اليونانيّة التي ضُبطت فيها الودائع، ثم أعيد لاحقًا “الإفراج” عنها.




أنا كمراقب ومواطن أميل إلى الرأي الثاني، إذ من المستحيل أن ترعى الدولة عمليّة وضع يد بهذا الحجم، التي ستعتبر واحدة من أكبر “سرقات” التاريخ المصرفي في العالم، مع كلّ ما سينتج عنها من عنف واضطرابات.

لذلك ما تزال الودائع المصرفيّة مأمونة، حتّى بقياس القدرات والخبرات المصرفيّة الماليّة اللبنانيّة العريقة، وبقياس ما تبقّى من طاقة مصرف لبنان على حماية ودائع الطبقات الفقيرة والمتوسّطة بصورة خاصّة. لا يحتمل لبنان كشف وانكشاف المصارف من قبل الدولة بهذه الطريقة.

فالرساميل التي يدّعي مصرف لبنان أنّها لا تزال بحوزته رسميًّا، قد تكون رساميل حقيقيّة وقادرة في النهاية على حماية ودائع مئات الألوف من اللبنانيّين وغير اللبنانيّين. لا أتحدّث عن الذهب الذي هو معطىً وجوديٌّ للدولة اللبنانيّة، فهذا حديث مختلف، غير مرغوب بل غير جائزٍ الوصول إليه.

علينا أنْ لا ننسى الموضوع الجوهريّ، الذي أشارت وتشير إليه الثورة الحقيقيّة الجارية الآن، وهو أنّ هناك طبقة سياسيّة نهبت البلد بالمعنى الحرفي للكلمة على مدى ربع قرن.

من المدهش أن نراقب كيف يتكرّر شعار استعادة الأموال المنهوبة على لسان المتظاهرين في بيروت والمدن الأخرى. وإذا كان هذا الشعار أي استعادة الأموال المنهوبة يبدو يوتوبيًا وليس واقعيًا، فإن مجرّد الإجماع الشعبي المدهش عليه كفيل بإطلاق ديناميكيّة مكافحة فساد فعّالة وملموسة طالما انتظرها اللبنانيّون.

ولدينا من تجارب الدول وخصوصًا في المنطقة في السنوات الأخيرة في مصر وليبيا وتونس خبرات كفيلة بأن تجعل الموضوع قضيّة دوليّة، حتّى لو لم يكن بالإمكان عمليًا استعادة جميع الأموال المنهوبة من السياسيّين وزبانيتهم، بسبب تعقيد الموضوع في لبنان والتواطؤات المختلفة التي تحيط به داخليًا.

هناك مثلّث هو الذي يجب أن يكون تحت الأضواء غير الخاطفة في المرحلة الراهنة، مثلّث المصارف – البنك المركزي – الطبقة السياسيّة التي أجبرت الفريقين الأوّلين بالترهيب والقوّة على ممارسة سياسة مدمّرة.

فبمعزلٍ عن توزيع المسؤوليّات لهذا المثلّث، وهو توزيع واضح لأنّه حتّى الطرف المغلوب على أمره كان يحقّق عائدات كبيرة، بمعزلٍ عن ذلك، لا ينبغي أن تضيع المسؤوليّة الرئيسيّة التي التقطها الحس الشعبي رغم كل التشويش.

وهي مسؤولية الطبقة السياسيّة التي تصرّفت كعصابات في جني فائض الأموال الهائل من الديون والهبات والمساعدات على مدى ربع قرن.