//Put this in the section

متى تنتهي اللعبة؟

الياس خوري – القدس العربي

في لبنان يدور صراع بين منطقين:




منطق الانتفاضة الشعبية التي تنادي بحل جذري للانهيار الاقتصادي، وتدعو إلى ولادة وطن على أساس فكرة المواطنة والحرية والنظام المدني العلماني.

ومنطق اللعبة السياسية التي تمارسها الطبقة الحاكمة، والقائمة على مواصلة سياسة النهب من ضمن نظام المحاصصة الطائفية.

منطقان يبدوان كخطين متوازيين لا يلتقيان.

الانتفاضة الثورية تجدد نفسها كل يوم، وتأخذ بعداً طبقياً واضحاً، وتكتسب زخماً بسبب وصول الانهيار الاقتصادي إلى القعر، أما اللعبة السياسية فتبدو وكأنها مصابة بالخرس، تكرر وتتكرر ولا تعي أن مخزونها التحريضي صار فارغاً، وأن الناس لم تعد تعيرها أي اهتمام.

قدمت الانتفاضة مقتربها للتسوية، واقترحت تشكيل حكومة من الاختصاصيين، لا تتمثل فيها أحزاب السلطة، أي أن الانتفاضة رغم كل ما قيل ويقال، تصرفت بعقلانية واقترحت حلاً من أجل تفادي التفكك الشامل الذي تنذر به أزمة اقتصادية وضعت نقطة النهاية على لبنان القديم. أما السلطة فتتصرف وكأنها لا تعي ما يجري، أو كأنها مصابة بالشلل، فلا تقترح حلاً ولا ترضى بالحل المقترح.

السؤال هو لماذا لا تبادر «الأكثرية» النيابية إلى تشكيل حكومتها؟

هناك أكثرية واضحة في البرلمان لمصلحة التحالف بين العونيين والثنائي الشيعي، والطرفان معاديان للانتفاضة بشكل صريح. لماذا لا يشكلان حكومتهما كي يبدأ عهد الانفتاح على الصين، حسب الأمين العام لحزب الله؟

سؤال محيّر.

لا يملك الحلف المسيطر على سياسات الدولة سوى حجة مرجعية البرلمان كي يرفض الاقتراح الحكومي الذي قدمته الانتفاضة.

لنفترض أن الحق معهم، فالجواب المنطقي هو تشكيل حكومتهم، ومتابعة حكم البلاد كما كان عليه الحال في الحكومة التي أسقطتها الانتفاضة.

لكنهم لا يريدون هذا الخيار، يريدون حكومة لهم على أن يترأسها الحريري، ويشارك فيها ما يطلقون عليه اسم «الحراك».

حسابات الحريري لا علاقة لها بحسابات الانتفاضة، لكني أستطيع أن أؤكد أن «الحراك» لن يشارك في حكومتهم، وإذا شاء أحدهم أو إحداهن المشاركة، فإن الانتفاضة ستلفظه.

الانتفاضة لن تشارك أو توافق على أي حكومة تتمثل فيها أحزاب السلطة.

فالمنطق البسيط يقول إن على الفاشل واللص التنحي تمهيداً لمثوله أمام القضاء، كما أن مهمة الشعب ليس إنقاذ طبقة حاكمة فاسدة من الانهيار.

إنهم لا يفهمون أن سعد الحريري لا يستطيع إنقاذهم، ومن المشكوك فيه أن يكون الرجل قادراً على إنقاذ نفسه.

لماذا لا يشكلون حكومتهم إذاً؟

ولماذا يستمرون في لعبتهم التي فقدت معناها؟

من الواضح أنهم يواجهون أزمتهم، وأن أزمة النظام الأوليغارشي الطائفي لا حلّ لها على أيدي مسببيها. فحل الكارثة الاقتصادية يحتاج إلى علاج يقوم على إجبار كبار الرأسماليين واللصوص على دفع ثمن الأزمة، وبتغيير بنيوي في السياسة الاقتصادية التي تتمسك بها جمعية أصحاب المصارف.

أزمتهم هي الموضوع، لم تعد الطبقة الحاكمة قادرة على الحكم. وإذا أرادت هذه الطبقة التوصل إلى حل فعليها أن تشرب سم كأس حكومة لا تتمثل فيها الأحزاب الطائفية.

لكن هذه الطبقة لا تزال تراوغ، وستقود مراوغتها إلى تفككها من جهة، وإلى تجذير الانتفاضة من جهة ثانية.

لماذا لا يوافق حزب الله على اقتراح الانتفاضة؟ ولماذا يتعنّت الرئيس العجوز في تمسكه بباسيله الذي صار عنوان سخرية كل الناس؟

حزب الله لم يعتد على التنازل، وصاغ خطاباً انتصارياً أوصله إلى المشاركة في حرب بشار الأسد الإجرامية ضد الشعب السوري، وأمين عام الحزب وعد بأن الحكومة والعهد وبرلمان نبيه بري لن تسقط.

الحكومة سقطت، والبرلمان تبهدل، والعهد صار شبحاً، فلماذا لا يقدم حزب الله التنازل المطلوب؟ أغلب الظن أنه لا يستطيع بسبب ارتباطه بالسياسة الإقليمية الإيرانية، فوضع نفسه بين خيارين لا يستطيع دفع ثمنهما: تفاقم الأزمة و/أو القمع العنيف للانتفاضة.

أما الرئيس العجوز فلا يزال أسير ماضيه، وغير قادر على التصديق بأن الجماهير انفكّت عنه. لذا، فإن التنازل عن الباسيل سوف يعني أمراً واحداً هو النهاية.

الطرفان الممسكان بالسلطة عاجزان عن الحسم وعن التنازل، لذا يلعبان سياسة المحاصصة الحكومية ويفاوضان في الفراغ ومع الفراغ.

من لا يستطيع تشكـــيل حكومته لن يستطيع قمع الانتفاضة.

ومن لا يستطيع التنازل، سوف يتابع غرقه في الأزمة.

اما الانتفاضة ففي مكان آخر، الانتفاضة تغسل أرواحنا ولغتنا. إنها سلاح الشعب من أجل أن يستعيد صوته ويؤسس وحدته ويبني أفق وطن جديد لا يرتهن للخارج لأنه تحرر من الطائفيين. شعب لا يستعبده حيتان المال والنهب، لأنه قرر أن يدافع عن كرامته وحقه في بلاده، وأن لا ينحني أمام إقطاع جديد، نهب كل شيء.

لقد أوصلت الطبقة الحاكمة لبنان إلى الحضيض، فاكتشف الشعب في انتفاضته الثورية أن هذا الحضيض هو حضيض أمراء الحرب ومافيات الطوائف.

إنه حضيضهم وليس حضيضنا، فما يحتضر اليوم هو لبنانهم الملوث بميكروبات الطائفية والنهب والكذب والدجل، أما لبناننا فيولد اليوم جديداً مشرقاً جميلاً، تحمله حناجر الشابات والشبان، ويتشكل في شوارع بلادنا.

ارحلوا جميعاً، فلقد كشفت الانتفاضة أنكم لستم لصوصاً فقط، بل أنتم أغبياء أيضاً.