//Put this in the section

ألم يحن الوقت ليكون للحراك في لبنان قياديين نظيفي الكف؟ – بقلم سامر كبارة

ألم يحن الوقت ليكون للحراك في لبنان بشكل عام وفي طرابلس بشكل خاص قياديين نظيفي الكف، قادرون على حمل لواء المطالب المحقة للمضي بإتجاه التغيير؟ واذا لم يتمكن هذا الحراك من توحيد قيادييه ومطالبه فكيف سيبني وطنا ومؤسسات دولة؟

قامت الدولة اللبنانية منذ نشأتها على أساس تفاهم مسلم – مسيحي يحقق المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، ووضع روحية دستورها شارل مالك، ولقد مرّ هذا النظام بمراحل ذهبية ومراحل صعبة، وصولا إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1973 تحت مطالب شعبية ونتيجة لاتفاق القاهرة، حتى وصلنا لاتفاق الطائف الذي كلّف لبنان أكثر من مئة الف شهيد، ولم يطبق منه الا الانسحاب السوري الذي حصل فيما بعد، وما كان ليتم لولا ثورة الأرز وثورة 14 آذار، ولكن ماذا عن الغاء الطائفية السياسية ؟ وجعل لبنان دائرة واحدة؟ وانشاء مجلس شيوخ؟ وتطبيق اللامركزية الإدارية التي تعتبر الأهم في هذا الاتفاق؟




لا بد من الاعتراف أنه لولا انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000 بفضل المقاومة، ولولا انسحاب الجيش السوري فيما بعد، لما كان كُتب لمثل هذه الاتنفاضة الشعبية أن تحصل، فلكل جيل ثورته الخاصة، وما يحصل اليوم هو لا شك تطور كبير في ذهنية كل لبناني حر وشريف كسر العبودية السياسية التي كان يمارسها عليه أمراء الطوائف السياسيين في لبنان لأكثر من ثلاثين عاما.

منذ عام 2005 فشل هذا النظام بإدارة البلاد بين مثالثة ومناصفة وهدر وفساد، ولم يستطع إنتاج معارضة وموالاة لنراقب ونحاسب الحكومة، فلعبة التوافق دمرت ما تبقى من مؤسسات في لبنان، بالمقابل وصلنا الى التسوية الإقليمية وترسيم حدود النفط والغاز، هذه الموارد التي لا يمكن الاستفادة منها إلا من خلال تسوية إقليمية بين روسيا وايران وتركيا وإسرائيل..

أما في الداخل أتينا برئيس جمهورية حليف لـ”حزب الله”، ورئيس حكومة يعمل ضمن حكومة تحت سيطرة “حزب الله”، وهنا لا بد من التذكير بأن سمير جعجع هو من أوصل الجنرال عون الى سد الرئاسة وكل هذا يناقض ما يحصل من توزيع وترسيم النفط والغاز في المنطقة، فجاء القرار!

إن المعادلة الإقليمية بسيطة، وسلاح المقاومة غير مطروح لطالما انه يؤمن المصالح النفطية لروسيا وأميركا وتركيا في المنطقة، وغير ذلك ستكون الفوضى والانهيار المصير المحتم، و”حزب الله” وحلفاؤه واعون لكل ذلك فأصدروا قرارا مضمونه “السلاح أغلى من المال”..

تفضلوا يا ساسة لبنان لانتاج حكومة معدّلة جديدة تنظم وتؤمّن مصالح لبنان ضمن التسوية الإقليمية، فالكرة اليوم هي بين روسيا وأميركا وأدواتهما!
اليوم نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما بناء الجمهورية الثالثة في ظل نظام جديد غير طائفي مبني على الفدرالية كالامارات العربية أو أميركا، أو تطبيق “اتفاق الطائف” وأهم بنوده اللامركزية الموسعة وإلغاء الطائفية السياسية ضمن أسس الدستور والمؤسسات وليس الفوضى الخلّاقة التي تدمر الجمهورية والوطن..

فهل ساسة لبنان والذين عايش معظمهم الحرب الأهلية وكانوا جزءاً من أدواتها واعون لوضع لبنان أولا؟ والحفاظ بالحد الأدنى على الجمهورية والانتقال الى الجمهورية الثالثة؟

إن المنظومة الاقتصادية التي وضعها الشهيد رفيق الحريري والسلطة المبنية على الاستدانة من الداخل والخارج ومركزية القرار في بيروت يجب أن تنتهي الى غير رجعة.

هذه المنظومة الاقتصادية ضربت الطبقة المتوسطة وجعلت 1% من الشعب اللبناني يملك أكثر من 95% من ثورات وموارد لبنان، وأنتجت 10 مليارات دولار فساداً وهدراً في السنة الواحدة، وما يقارب 7 مليارات دولار عجزاً سنويا.

وأنا هنا لا أحمّل الشهيد رفيق الحريري المسؤولية وإنما كل الطبقة السياسية التي كانت تحكم لبنان باتفاق سوري – سعودي حتى عام 2005..

لبنان يرتكز على الاقتصاد الحر والمنافسة والخدمات والسياحة والزراعة، فلا يمكن لحاكم مصرف لبنان، مثلاً، أن يغلق أبواب رخص جديدة للمصارف، علماً انه في الستينات كان في لبنان “بنك أوف أميركا” و”ويلس فارغو” وغيرهم من المصارف.. إن هذا الاحتكار المنظم والتوزيع الطائفي لرخص المصارف يضرب أساس قيامة لبنان الاقتصادية والمالية.

كما أن هناك “مونوبولي” لشركتي خليوي يتحكمان بالسوق، و”مونوبولي” لمستوردي النفط والغاز، و”مونوبولي” لاستيراد المواد الغذائية، وجميعها يُوزع طائفياً، وهذا حال الكثير من القطاعات التي يجب أن تكون نموذجاً لاقتصاد حر وليس “مونوبولي” منظمة لأصحاب السلطة.

هذا النظام يجب أن يُكسَر وعلى الحكومة المستقيلة أو حكومة تصريف الأعمال المباشرة بوضع أسس لكسره، فسياسة الترقيع لن تنفع بعد اليوم، وكذلك تغيير هذه المنظومة المدمرة لكل لبنان، من هنا تأتي أهمية تطبيق اللامركزية الإدارية، التي تنص على أن يكون لكل قضاء ضمن كل محافظة موارده الخاصة وخدماته ومرافقه الخاصة ونظامه الضريبي الخاص.

نحن مقبلون على مرحلة نفطية، فهل يجوز، مثلاً، أن تذهب إدارة الغاز الطبيعي في شمال لبنان لأهل كسروان أو بيروت أو الجنوب؟ والعكس صحيح..

الجمهورية الثالثة يجب أن تقوم على مبدأ جديد وهو العدل في توزيع الموارد الطبيعية على المحافظات حسب ما تملك كل منطقة، فلكل محافظة في لبنان دور اقتصادي تخلقه على أساس الموارد والموقع الجغرافي ضمن منظومة ضرائبية وسوق حر يعطي كل محافظة امتياز اقتصادي خاص بها وتُوَزع الواردات والضرائب بحسب عدد السكان والإنتاج.

فهناك ضريبة القضاء وضريبة الدولة، فمثلا اذا كانت طرابلس تدفع 100 مليار ليرة ضرائب للدولة يجب أن تعود لها خدمات تعادل هذه القيمة وليس كما يقرر مجلس الانماء والاعمار أو مجلس الوزراء..

وبالتالي المعادلة يجب ان تكون: جيش واحد قضاء واحد، سياسة خارجية واحدة ولكن توزيع الموارد والضرائب والأرباح الاقتصادية يجب أن يتم بشكل عادل حسب كل محافظة وحسب ما أنتجت وما دفعت من ضرائب.

لنكن واضحين وصريحين اننا شعب غير طائفي، نتشارك التجارة والدراسة والحياة ونحب وطننا بعيداً عن الطائفية، ولكن في مجال توزيع الموارد والضرائب وكلفة تأمين الخدمات الصحية والاجتماعية نحن طائفيون ومناطقيون بإمتياز!

لهذا علينا بناء نظام يؤمّن مصالح المواطن من خلال التساوي بالحقوق والواجبات.

المسؤولية تقع على عاتق الجميع في الوطن، سياسيون ومجتمع حر، وشعار “كلّن يعني كلّن” يجب تطبيقه بمفهوم قيامة لبنان وليس تدميره.. نعم كلنا مسؤولون وكلنا مشاركون في بناء الدولة، والتغيير لن يأتي الا ضمن المشراك بالقرار وبخطة تنفيذ ضمن صناديق الاقتراع وليس في الشارع.

نظام المحاصصة والطائفية هو مرض هذا البلد، فمن غير المقبول أن يكون بلد غني مثل لبنان حيث لا كهرباء ويكلف الدولة 2 مليار دولار سنوياً ونحن على أبواب عام 2020! فملف الكهرباء كأي ملف خدماتي يعتبر بمثابة الفاشل للدولة، وخلف كل ملف يوجد فاسد يبني منظومة اقتصادية حوله، فبملف الكهرباء مثلاً هناك اصحاب المولدات، وتجار بواخر النفط، والمحسوبيات السياسية التي لا تدفع أصلاً فاتورة الكهرباء..

الحل يكمن فقط بكسر هذه المنظومة من أساسها بقرارات حازمة، فعلى سبيل المثال تصل الكهرباء إلى منازل المواطنين في أدنى دولة في أفريقيا عبر بطاقة شحن كبطاقة الخليوي وبتسعيرة موحدة ضمن عدادات الكترونية حديثة وعند التأخر عن الدفع يتم قطع الكهرباء تلقائياً، فهل هذا يستحيل تطبيقه في لبنان؟

طرابلس “عروس الثورة” ولكن لا نريد لهذه الانتفاضة أن تنتهي ولا نريد أن يكون لها “عريس” ضمن التسوية بين ساحة جل الديب ورياض الصلح!

لذلك على أصحاب القرار في طرابلس وعلى من انتفض على الواقع تصويب البوصلة والعناوين الإصلاحية والمعيشية التي تخص طرابلس وعدم القبول بأن تكون طرابلس جسر عبور لساحات لبنان..

وهنا كلنا مسؤولون، الشعب والسلطة، السلطة بواقعها الفاشل او بغير واقع، فصناديق الاقتراع هي التي فرزت هذه الزعامات..

ليكن اليوم هو وقت للمراجعة الذاتية البنّاءة، ولنتعاطى من منطلق أننا أبناء مدينة واحدة، ولسعى لفرز سياسيين يكونون طرابلسيين أولاً و أن لا ندخل إلى الجمهورية الثالثة أو التسوية ونحن ضعفاء بل بشروطنا، فما بعد 17 تشرين الأول لا يجب أن يكون كما قبله، وهذه فرصة ذهبية للشعب الطرابلسي وللسياسيين في آن معاً، فقد كسرت الناس حاجز الخوف ولكن لا قيمة لكل هذا اذا لم يترجم في صناديق الاقتراع.

من هنا لنسأل سمير جعجع التالي: هل انت مع الانتفاضة ويمكنك تئييدها علناً؟ وما هي مطالبك بالاشتراك مع الشارع المسيحي بعد 17 تشرين؟ وهل أنتم فعلاً جسر عبور للدولة؟ ومع الغاء الطائفية السياسية وتطبيق اللامركزية الإدارية؟

لقد دفن بشير جميل صيغة 43 في ثورته عام 1975 ولكن أصبح رجل دولة بامتياز حين انتخب رئيسا للجمهورية ونادى بالمناصفة، وبعدم إقامة سلام مع إسرائيل قبل أن يكون هناك اجماع وطني على ذلك..

فهل تريد يا سمير جعجع أن تكون بشير 1975 أو بشير الجميل رجل الدولة بامتياز؟

وأنت يا “وليد بك” كنت تقول قبل 17 تشرين الأول بأسبوعين أن الاميركيين فعلوها وتخلوا عن الأكراد في سوريا فمن نكون نحن مقارنة بالأكراد؟

ما بين فكر كمال جنبلاط الوطني والمطلبي المعيشي وبين الارتهان للخارج آن الأوان يا وليد “بك” وبعد هذه التجربة في السياسة أن تضع لبنان والمؤسسات أولاً وأن تكون واضحاً في موقفك اليوم، فلبنان، ولبنان فقط، هو حامي كل الطوائف ولقد أثبتت التجربة أننا كلنا أقليات في هذا الوطن، فحدد خياراتك وكن واضحاً وقل كلمة واضحة فلعبة الأمم لن تنتظر أحدا.

وسؤالي للرئيس سعد رفيق الحريري، وبكل محبة واحترام، ألم يحن الوقت لتتحمل المسؤولية التاريخية وتمضي بحلم رفيق الحريري؟ فكل فصل من فصول التاريخ له أدواته ومنظومته الاقتصادية، وأنت قادر على القيام بذلك اذا كانت لديك الجرأة والنية، ولتبدأ بمحاسبة الفاسدين في بيتك الداخلي، نريد محمد بن سلمان في بيت الوسط، وهذا ما يجب أن يفعله اليوم كل رئيس حزب أو تيار في لبنان، وكلنا أمل بأن تبدأ أنت، ولقد قلتها لك في آخر اجتماع حصل بيننا “الناس انتخبت سعد الحريري في هذه المرة وليس سعد رفيق الحريري”، لا يمكن القول بأنك لا تملك السيولة الكافية بالوقت الذي كل الذين من حولك من فاسدين تمتلأ جيوبهم من وراء الفساد يميناً وشمالاً…

دقت ساعة المحاسبة وجمهورك يثق بك ولا يريد غيرك، فافعلها يا سعد وامضِ في السياسة النظيفة وخذ لبنان الى بر الأمان.

أنت ما زلت رئيسا لحكومة تصريف الأعمال ويمكنك كسر منظومة الفساد وطرح قوانين إصلاحية، ولتكن هذه القوانين شروطاً لحكومة جديدة وليس شكلها أو تسميتها! ولتكن علنية، ولتكن هذه هي الخطط الانقاذية، ولا يهم من يتولى الوزارة ومن يكون الوزير، فالأهم أن يتعهد بتنفيذ هذه القوانين والخطط.. وليكن هذا الشرط الوحيد!

نعم لبنان ينتفض.. ونعم لبنان الكيان ينهار، المسؤولية تقع على عاتق الجميع “كلّن يعني كلّن”، مسؤولون وشعب وسلطة وأكثرية صامتة تكلمت ونطقت.. وهذا يعتبر نجاح للبنان اذا استثمر في المكان والمجال الصحيح.

وعلى الحراك توحيد المطالب الإصلاحية من خلال قياديين نظيفي الكف وعلى السياسيين الذين لديهم النية للاستمرار بالعمل في الشأن السياسي أن يبدأوا بعملية تطهير شاملة حتى نبني سويا لبنان الجديد ضمن المؤسسات وصناديق الاقتراع فقط، وليس في الشارع، وعبر سلة مطالب واضحة..

فبدلا من تسكير مجلس النواب، يجب السعي لفتحه لاقرار القوانين وبالتالي فك حصاره، وكذلك الأمر بالنسبة للحكومة، فلعبة الشارع تحتاج لقادة يتفاوضون ولنفس طويل وليس للفوضى.

الوقت يمضي ضد كل لبنان شعباً ومؤسسات، والحرب الاقتصادية هي حرب ذات مضمون سياسي، ولنكن لبنانيين أولاً شعباً وسلطة.

حمى الله لبنان.