//Put this in the section

بورصة حكوميّة… وشرط الحريري الأوّل

مجد بو مجاهد – النهار

يحلو لبورصة الطروح الحكومية التشبّه هذه الأيام بالتقلّبات السريعة التي يسجّلها سعر صرف الدولار صعوداً وهبوطاً، في ظلّ تنوّع ماكينات صيرفة التأليف وتعدّد وجوه الرؤساء المكلّفين المفترضين المطبوعة على أوراق الدولار الحكومية بدءاً من الرئيس سعد الحريري إلى المهندس سمير الخطيب، وصولاً إلى دعوات بدأت توجّه من نوادٍ سياسية إلى قيادات الحراك بضرورة اقتراح اسم واضح لتولّي سدّة الرئاسة الثالثة من شأنه التعبير عن رؤية المنتفضين وطروحهم. ولا يصحّ أمام هذا الواقع التسليم بتقدّم حظوظ أي مرشّح مفترض على آخر، فكلّ القوى السياسية تتعامل حتى الساعة بحسب سعر صرف حكومي يتلاءم ونظرتها إلى شكل الحكومة العتيدة من “تكنوقراط” إلى “تكنو- سياسية” إلى “تكنو- سياسية لايت” من دون دسم.




وإذ يدفع هذا الواقع إلى التسليم بضبابية المشهد الحكومي، أضحى من المسلّم به أيضاً أن الضباب وصل إلى موطن الدعوة للاستشارات النيابية الملزمة، وسط معلومات استقتها “النهار” من مصادر قصر بعبدا، تؤكّد أنه “لا يمكن الجزم بالدعوة إلى الاستشارات من عدمها هذا الأسبوع. والموضوع مرهون بنتيجة الاتصالات والمفاوضات التي لم تصل إلى خواتيمها بعد، وهناك خلافات لا تزال قائمة بين الأقطاب حول شكل الحكومة. ويأتي اعتزام تأجيل الدعوة إلى الاستشارات بهدف عدم نقل الخلافات السياسية المستمرّة من مربّع التكليف إلى مربّع التأليف وسعياً من الرئيس ميشال عون إلى تأمين الأجواء المناسبة للتأليف وضمان نجاح الرئيس المكلّف في مهمّته، وهي أجواء مرتبطة بزوال العقبات أمام التأليف تجنّباً للفراغ الحكومي أشهراً طويلة. أمام هذا الواقع، تُرصَد حركة نشطة مع تسارع الاجتماعات وتقدّم الاتصالات على خطّ سمير الخطيب والحديث عن تسهيلات مُحرَزة له على مقلب التيار الوطني الحرّ، إلا أن المراوحة تكمن على مقلبي بيت الوسط والثنائي الشيعي حيث إن المفاوضات مع الخطيب لا تزال غير ناضجة في المقلبين”.

تداوُل اسم الخطيب يقابله ماكينة أخرى تتعامل باسم الرئيس الحريري، ويبدو أن أسهم الخطيب، وإن لم تُحرَق حتى الساعة، إلا أن “الثنائي” غير متحمّس له، إذا كان لا بدّ من تلطيف عبارة “لا يريده”. أمام هذه الوقائع، ما هي المعلومات والانطباعات التي يمكن تسطيرها من العليمين بما يجري في “بيت الوسط”؟ ينقل أحد المواكبين عن كثب لحركة الرئيس الحريري والمقرّبين منه أن “الانطباع الأبرز الذي تركه الحريري هو رفضه توزير باسيل مجدّداً، وهو طرح غير ممكن بالنسبة إليه. والجو الداخلي في تيار المستقبل يعبّر بطلاقة عن أن المشكلة تكمن في توزير باسيل، وإذا كان الطريق مقفلاً من جهة الحريري، فإنه يمكن أن يفتحه إذا ما انتفت معادلة توزير رئيس التيار أوّلا”. إذاً، العلاقة وصلت إلى أسوأ مستوى بين الصديقين وشريكي التسوية، وقد يكون هذا الافتراق بينهما هو المؤثّر الأول على إيقاع تأخير ولادة الحكومة العتيدة، بعيداً من أي عوامل أخرى تأتي في مراتب ثانوية، خصوصاً أنهما كانا “والدَي” الحكومة المستقيلة.

أما ما يحكى عن ضغوط غربية على “حزب الله” فهو بعيد نسبياً عن الواقع نسبة إلى ما يرويه المصدر نفسه في قوله إن “أحداً ليس محروقاً على ما يجري في لبنان، والديبلوماسية الغربية تفكر بطريقة واحدة اليوم: الاصلاحات والهدوء الأمني وعدم هجرة اللاجئين إلى أوروبا، وما تبقّى لا يعدو كونه تفاصيل داخلية. ولا فيتو على الحزب بمعنى عام، لكن الولايات المتحدة تطمح إلى تبديل المسار وتقويض نفوذ الحزب داخل الحكومة وإلا ستعمد إلى تعميم العقوبات”. وهنا تشير أجواء “بيت الوسط” إلى أن الثنائي الشيعي لا يزال يتمسّك بالحريري حتى الساعة، سعياً إلى الحصول على غطاء كامل للحكومة المقبلة. أما الرهان على إعادة تفعيل حكومة تصريف الأعمال فهو غير قابل للتطبيق وضربٌ للدستور، حتى وإن لبست الحكومة المنتظرة ثوب المستقيلة، إلا أنه لا بد من تقديم بيان وزاري وحيازة الثقة مجدداً.

أمام هذا “الموزاييك” السياسي، يبدو جلياً أن ألوان الانتفاضة الشعبية لم تبرز بقوّة في اللوحة، وثمة استشعار سياسي واسع ومن أكثر من جهة، بأن الحراك بدأ يتعب، وهناك من بين مجموعاته من بدأ يقتنع بأن لا سبيل سوى أمام حكومة “تكنو- سياسية”، ومن يعمد من بينهم إلى مسايرة “حزب الله” وبذل الجهود للتأكيد على أن الانتفاضة ليست ضدّه. يأتي ذلك في ظلّ معلومات مؤكّدة أن الأقطاب السياسيين متمسّكون بضرورة الحفاظ على هويّة سياسية للوزارات السيادية والأساسية.

وفي غضون ذلك، بدأ مصطلح حكومة “تكنو- سياسية لايت” يتردّد بقوّة أكبر في أروقة “التيار الوطني”، من دون تبنّي أي اسم لرئاسة الحكومة. حتى أن هناك مبادرة جديدة يعبّر عنها لـ”النهار” أحد المقرّبين من الوزير باسيل في دعوته مجموعات الحراك إلى طرح اسم جدّي لرئاسة الحكومة، ويمكن “التيار الوطني” أن يدعم الاسم نفسه تلبيةً لمطالب الشارع. وعليه، يرى “التيار” أن الخيارات مفتوحة وهناك الحريري والخطيب واسم ثالث يمكن الحراك أن يتبناه مثلاً، مع نفي أن “الحكومة مرتبطة بعودة رئيس التيار كما يحكى”.

أمام كلّ هذه الوقائع، هل فعلاً البلاد أمام أسبوعٍ حاسم وأن حظوظ الاستشارات لا تزال مرتفعة هذا الأسبوع؟ وزير سابق ردّد في صالون سياسي أن “الوقت داهم والبعبع الاقتصادي المستفحل سيعيد إطلاق الحراك بشكل أو بآخر، ويمكن أن تصل الأمور إلى حدود الفوضى الأمنية والاجتماعية بوتيرة خطرة في ظلّ تصاعد تلقائي للأزمات في المقبل من الأسابيع”.