//Put this in the section

ديمقراطية زائفة.. حتى المناضلون ضد عنصرية جنوب إفريقيا صدمتهم هذه القوانين الإسرائيلية المجحفة

في جزءٍ لا يتجزأ من الدعاية المستمرة التي تطلقها عن نفسها في وسائل الإعلام وفي حرم الجامعات وفي أقسام المدونات والتعليقات وفي المؤتمرات وغيرها، تعمد إسرائيل، إلى جانب مؤيديها المتعصبين وجحافل من الوكلاء المدفوعين والمجهولين، وفي حماسٍ منقطع النظير، إلى تكرار ونشر الأساطير الصهيونية القديمة البائسة ذاتها.

وتقدّم أدوات الدعاية ومنشوراتها الإرشادية، مثل «قاموس اللغة العالمية» global language dictionary، حججاً جاهزة وأخرى مضادة من أجل ترويجٍ ناجح لإسرائيل بين الصحفيين والنقاد، حسبما ورد في مقال نشر بموقع Middle East Eye البريطاني لـ»آلان غابون»، الكاتب المعني بقضايا الإسلام في أوروبا.




إذ تأتي هذه الإرشادات بنصائح حول طبيعة نغمة الصوت والتكتيكات الخطابية التي ينبغي استخدامها، وما هي الكلمات والصيغ التي «تؤثّر»، وكيفية مناقشة القضايا «الحساسة»، مثل احتلال إسرائيل واستحواذها غير القانوني على الأراضي الفلسطينية، والمستوطنات اليهودية، وقتل المدنيين.

وكل هذه الأمور محتّمٌ أن تصبح أكثر سوءاً الآن لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما انفك يكافئ إسرائيل ويجرّئها، على حدٍّ سواء، من خلال الاعتراف باحتلالها الوحشي وغير الشرعي للأراضي الفلسطينية (الاعتراف بـ»المستوطنات»). بعد أن أخذ، على النحو ذاته، يقدم برهاناً مذهلاً آخر على ازدراء الولايات المتحدة التام لسيادة وأحكام القانون الدولي.

إذ لن يؤدي تقديم مثال كهذا سوى إلى إرسال الرسالة إلى جميع الحكام المستبدين والسلطويين والطغاة من مختلف المشارب في جميع أنحاء العالم، مفادها ليس فقط السماح بإقرار السرقة والاحتلال والمعاملة الوحشية لسكانٍ ضعفاء لا يملكون دفاعاً عن أنفسهم، بل ومكافأة الغرب لمن فعل ذلك كله على تبنيه «قانون الغاب».

آلة التضليل تبدأ بأرض بلا شعب ووصلت للمعجزة الاقتصادية

وفي حين تكتظ وسائل الإعلام بأخبارٍ حماسية حول «المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية»، وثرواتها ومستويات المعيشة العالية فيها، وشركات الأعمال الناشئة والتكنولوجيا الفائقة، فهل سمعت في يوم من الأيام واحداً من التيار الرئيس لوسائل الإعلام أو السياسيين الغربيين يقول حقيقة إن خُمس الإسرائيليين يعيشون تحت خط الفقر، أو إن الناس يضطرون إلى البحث في القمامة عما يسد رمقهم لتجنب الموت جوعاً، أو إن إسرائيل لديها أعلى معدل فقر بين جميع دول العالم المتقدم؟

الجواب على الأرجح: لا، وعلينا أن نسأل أنفسنا عن الأسباب وراء ذلك. على النحو ذاته، تشمل أكاذيب أخرى تعمد آلة التضليل الإسرائيلية إلى ترويجها أساطيرَ عن أصلها، وأشهرها الفكرة الرومانسية عن فلسطين بأنها «أرض بلا شعب لشعب لا أرض»، والتي لا تزال قائمة رغم سخافتها وافتقارها إلى أي منطق تاريخي. وكثيراً ما تعتمد إسرائيل في ترويجها لأكاذيبها على الجهل والسذاجة المنتشرين.

إن مجموعة الصور التفاعلية الرائعة المتوفرة لفلسطين ما قبل عام 1948 تكفي لتحطيم تلك الكذبة المحرِّفة للتاريخ، والتي تسعى إلى القضاء على فكرة وجود الفلسطينيين على أراضيهم قبل أن تستولي عليها القوى الاستعمارية الغربية وتمنحها للمهاجرين اليهود من أوروبا وغيرها.

لقد أُجبر الفلسطينيون على دفع ثمن الهولوكوست الذي كانت أوروبا من ارتكبته، والذي لم يكن لهم أي دور فيه.

ازداد وضع الفلسطينيين سوءا بعد تولي ترامب رئاسة أمريكا/رويترز

علاوة على الطبيعة المثيرة للشفقة لحملات العلاقات العامة هذه، والتي تُرفع في وجه النقاد وتسعى إلى تحسين الصورة الكارثية لإسرائيل عالمياً، فإنها تتسم بافتقار كبير إلى الفعالية أيضاً.

إذ عندما تنتشر أخبار وصور قتل إسرائيل وتشويهها للأطفال الفلسطينيين، وقصفها المتعمد للمدارس، والاستخدام العشوائي للفوسفور الأبيض على أحياء بكاملها، ويراها الناس في جميع أنحاء العالم، فمن الصعب عندئذٍ تصوير مثل هذه الدولة بوحشيتها وعنفها وممارساتها الإرهابية وخروجها على أحكام القانون بأنها دولة نبيلة وديمقراطية وسلمية ولطيفة.

الأساطير الصهيونية.. الديمقراطية الوحيدة

تعد الأسطورة الصهيونية الأكثر شيوعاً إلى حدٍّ بعيد تلك المتعلقة بفكرة أن إسرائيل هي «الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة، والتي بلغت حدَّ أن وصفها بعض الناس بأنها ديمقراطية ليبرالية تتمتع بالعدل والمساواة، على طراز الدول الغربية.

وفي حين تعمد إسرائيل من خلال هذه الخرافات المناقضة للواقع والمتمركزة حول ذاتها ومصالحها إلى إدامة مغالطة التماثل والمصير المشترك والتحالف الطبيعي بين إسرائيل والدول الغربية، فإن دعايتها العنصرية في الوقت نفسه، غالباً ما تستعين بتلك الشعارات للهجوم وإبراز التناقض مع الدول العربية «الهمجية» والمتخلفة والديكتاتورية، ومجتمعاتها ذات الأغلبية المسلمة.

يعكس هذا الوصف المضلِّل الخطاب الأكثر انتشاراً، وحتى الأكثر شرّاً وزيفاً على حدٍّ سواء، لنظرية «صدام الحضارات» التي أثارها هنتنجتون، والتي تمثل في حد ذاتها إعادة صياغة ثقافية بمصطلحات حضارية، للأيديولوجيات والاختلافات العنصرية القديمة.

ورغم أن تكرار الكذبة مرات عديدة لا يجعلها حقيقية، فإن عملاء إسرائيل من الواضح أنهم يعتقدون خلاف ذلك.

قوانين لا مثيل في عنصريتها

فإسرائيل ليست دولة ديمقراطية، وبالتأكيد ليست دولة «ليبرالية ومساواة». وهناك حقيقتان مجرّدتان وقاسيتان بإمكانِهما فضح زيف تلك الأسطورة بسهولة.

أولاً، إن اكتساب الجنسية الإسرائيلية وحقوق المواطنة فيها مرتبط بالديانة اليهودية. إذ يسمح «قانون العودة» الإسرائيلي لأي يهودي، في أي مكان في العالم، بالهجرة إلى إسرائيل والحصول على مواطنة إسرائيلية كاملة، سواء أوطأت قدمه البلاد أم لم تطأها، وحتى لو لم يكن له أي أقارب أو صلات هناك. ويُخصّص سبيلاً معبّداً بالتسهيلات والمزايا لراغبي الحصول على الجنسية من اليهود حصرياً، ويُرفض ذلك لمعتنقي الديانات الأخرى. أي إن التمييز على أساس جرت مأسسته هناك ليصبح سياسة رسمية للدولة.

قوانين الزواج التي عفى عليها الزمن

فقط تخيّل للحظة كيف سيكون حال دولٍ «ديمقراطية» مثل فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة إذا قررت من الآن فصاعداً، أن المسيحيين من جميع أنحاء العالم –لكن المسيحيين فقط- يمكنهم الهجرة والاستقرار في تلك الدول بحرية تامة، وعلى خلاف أعضاء أي دين آخر، أو حتى الملحدين، سيُمنح هؤلاء المسيحيون الجنسيةَ تلقائياً بمجرد وصولهم.

الواقع أن هذا يرقى إلى درجة تخلٍّ كامل لتلك الدول عن مبادئها الديمقراطية الجوهرية والأساسية، ومن ضمنها القيم العلمانية التي تعتز بها، في حين أن مثل هذا التمييز الديني المؤسسي هو تحديداً ما تمارسه إسرائيل من خلال دستورها ومؤسساتها.

ثانياً، هناك مسألة الزواج. إذ بالنظر إلى آلة الدعاية الضخمة المؤيدة لإسرائيل، إلى جانب التواطؤ بالصمت من وسائل الإعلام والحكومات الغربية، قد يكون كثير من الناس غير مدركين أنه في إسرائيل، يُحظر على غير السلطات الدينية إجراء الزيجات. أي أن الزواج المدني، وغير الديني، ممنوع وغير مصرّح به.

وحتى الزواج المختلط ممنوع

الأسوأ من ذلك هو أن الزيجات المختلطة بين أتباع ديانات مختلفة محظورة بموجب القانون، وهو ما يضطر راغبي الزواج من ديانات مختلفة إلى السفر للزواج في الخارج. وعندما يعودون، تُعامل الدولةُ الشريكَ غير اليهودي معاملة مواطنٍ من الدرجة الثانية.

مرة أخرى، دعونا نتخيل ما سيحدث للديمقراطيات الفرنسية أو البريطانية أو الألمانية أو الأمريكية إذا جرى تطبيق مثل هذه المبادئ التي عفى عليها الزمن.

بل إن الدولة الإسرائيلية، وإلى حد لا يمكن حتى تصوره  لأولئك الذين يعيشون في ديمقراطيات حقيقية، وصل بها الأمر أن جعلت هذه الممارسات الرجعية أصلاً أشد قسوة، إذ تفرض عقوبة السجن لمدة عامين على الأزواج الذين يقدمون على الزواج بإشراف سلطةٍ دينية غير معتمدة من الدولة.

لكن، ومع كل هذا، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وموظفي العلاقات العامة التابعين له لا يفتأ يشرح لنا باستمرارٍ، وبوجه مستقيمٍ لا يخالطه شك، كيف كانت إسرائيل دائماً دولةَ ديمقراطيةٍ ومساواة وتسامح وانفتاح واستنارة، وكيف أنها تمنح مواطنيها جميعهم حقوقاً متساوية.

الفصل العنصري (الأبارتهايد) المؤسسي

كانت إسرائيل بالفعل دولةً عنصرية غير قانونية وغير ديمقراطية وقائمةً على أسسٍ إثنية-دينية، على نحوٍ عميق، قبل إقرار قانون الدولة القومية الذي يُعرّف إسرائيل دولةً قوميةً للشعب اليهودي، العام الماضي. لكن الأمر الآن بات أسوأ من ذي قبل.

إذ بالنظر إلى أنها تعتبر نفسها منذ البداية، وعلى أسسٍ عرقية ودينية، «دولةً يهودية»، وهو وصف اعترفت به أخيراً على نحوٍ صريح من خلال قانون الدولة القومية –مثلها في ذلك مثل بلدان أخرى تُعرّف نفسها على أنها «دولٌ للعرق الأبيض» (مثل جنوب إفريقيا، والولايات المتحدة في زمن التمييز العنصري)-، فلا غرابة أن تمكنت إسرائيل بسرعة مذهلة من إنشاء ومأسسة نظامِ فصلٍ عنصري حقيقي.

هذه الحقيقة يمكن رؤيتها بسهولة من أي شخص ينزل على أرض الواقع، ولعقودٍ أخذت وسائل الإعلام، وكافة المنظمات الكبرى لحقوق الإنسان، وفرق مستقلة بتفويض من الأمم المتحدة لرصد الأوضاع على الأرض، ونشطاء فلسطينيون وإسرائيليون، ومنظمات غير حكومية، وأكاديميون، توثّق على نحوٍ واسع، كيف ينشئ نظام الفصل العنصري الإسرائيلي باستمرار طرقاً جديدة ومبتكرة لإدامة وتوطيد نفسه.

شهادة صادمة للمناضلين ضد عنصرية جنوب إفريقيا

وقد أعلن ناجون يهود من محرقة الهولوكوست وأحفادهم إدانةَ إسرائيل بوصفها دولة تمييزٍ عنصري، وحتى دولة فاشية.

وليس من التجنّي إذا افترض المرء أن شخصاً نجا من معسكر اعتقالٍ وإبادة كمعسكر «أوشفيتز» النازي، كما فعل البروفيسور اليهودي هاجو ماير، من السهل عليه أن يميّز النظام الفاشي حين يراه بأم عينه، وخاصة عندما يكون في بلده هو نفسه.

كذلك أعلن بعض قدامى المحاربين المنتمين إلى حزب «المؤتمر الوطني الإفريقي» الذين قضوا حياتهم في محاربة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أن ما رأوه في إسرائيل كان في بعض نواحيه، أسوأ مما واجهوه وطنهم. 

وبلغ الأمر أن كتب الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر كتاباً كاملاً عن نظام الفصل العنصري في إسرائيل، يتناول فيه بالتفصيل كيف أن الفلسطينيين محبوسون في سجن مفتوح أسوأ من ذلك الذي عرفته جنوب إفريقيا.

تمييزٌ جرى التأسيس له قانونياً

حين نتحدث عن تمييز إسرائيل ضد مواطنيها العرب، فإننا لا نتحدث عن مجرد ظاهرةٍ اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، إذ كل بلد لديه حصة من ذلك. لكن الأمر في حالة إسرائيل، هو أن التمييز يجري التأسيس له وإضفاء الطابع المؤسسي عليه، علاوة على النصِّ عليه في النظام القضائي للدولة أيضاً.

ويلفت الأكاديمي والسياسي الإسرائيلي من أصول عربية، يوسف جبارين، إلى أن «القانون الإسرائيلي ينطوي على عدد من الأحكام التي تؤكد صراحةً مبدأ عدم المساواة بين اليهود والعرب وتضفي عليه الطابع المؤسسي».

ويضيف: «سأذكر مثالاً واحداً فقط، العلم الإسرائيلي، بنجمة داود التي تغطيه، لا يمثل أو يعبر هنا إلا عن الأغلبية اليهودية في البلاد. ومع ذلك، فإن هذه المعاملة التفضيلية لا تقتصر بالتأكيد على عالم الرموز.

إنها موجودة وحاضرة في جميع مناحي الحياة: بالطبع في تعريف الدولة ورموزها الوطنية، لكن أيضاً، في قوانين الهجرة، والمواطنة، والمشاركة السياسية، وتملك الأراضي، والثقافة، والدين، وسياسات وأوجه إنفاق الميزانية، وغيرها».

إذ مثلها مثل قانون العودة، فإن «المستوطنات» في الضفة الغربية المحتلة -والتي غالباً ما تمثل مخالفات مباشرةً للقانون الإسرائيلي نفسه، وانتهاكات كبرى للقانون الدولي- مخصصة حصرياً لليهود.

وتستثمر إسرائيل هناك موارد كبيرة على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، لكن لا يُسمح لغير اليهود بالعيش في تلك المستوطنات، رغم أنها غالباً ما تُبنى على أراضٍ مصادرة كانت ملكيةً خاصة لفلسطينيين.

يعيش هؤلاء المستوطنون بين سكان يزيد عددهم على نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، في الوقت الذي يعيش فيه هؤلاء الفلسطينيون في ظل احتلال عسكري غاشم يهيمن على جميع مناحي حياتهم. هذا إلى جانب مليوني فلسطيني آخرين يعيشون تحت الحصار والإرهاب العسكري المستمر في غزة. وبالطبع لا يحق لأحد منهم التصويت في الانتخابات الإسرائيلية.

يقول الكاتب «أعود مرة أخرى، وأقول، تخيل مدى الاحتجاج والغضب إذا شرعت بريطانيا أو الولايات المتحدة في غزو أراضٍ خارج حدودهما المعترف بها دولياً، واستولت على أراضٍ وموارد دون أساس قانوني، ثم بدأت في إنشاء مستوطنات تقتصر على المسيحيين في تلك المناطق».

إن عشرات القوانين الإسرائيلية التي تمثل تمييزاً صريحاً ضد المواطنين العرب والفلسطينيين في الأراضي المحتلة موثقةٌ جيداً.

ويمكن الوصول إليها من خلال قاعدة البحث التابعة لمركز «عدالة» [مركز قانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل]، وهي تنطبق على جميع جوانب الحياة الفلسطينية: المواطنة والتعليم، والحقوق السياسية والاقتصادية، والإقامة واللغة والثقافة والدين، وغيرها.

وحتى المياه بها عنصرية.. احتلال قائم على استخدام العنف المفرط

بلغ الأمر أن أصبح حتى الحصول على المياه، التي تعد مورداً أساسياً لا غنى عنه للحياة، محلّ معاملةٍ تمييزية من جانب إسرائيل، إذ لم تتردد قط في مصادرة المياه أو استخدامها بوصفها سلاحاً للحرب أو في سياسات عقاب جماعي للسكان.

منذ اعتماد قانون الدولة القومية لليهود، أصبح التمييز المنهجي بالفعل أسوأ بكثير، إذ تم إصدار قوانين جديدة لتعميق الفروق وتوسيع عدم المساواة بين اليهود وغيرهم من السكان.

بالإضافة إلى كل هذه الدلائل على أن إسرائيل ليست دولة ديمقراطية، فقد أخذت الدولة تنمي سمعة سيئة على المستوى العالمي بسبب سياساتها الاستيطانية الوحشية، والتي لا تحتكم إلى أي شرعية، وتتسم بالعنف الشديد، فضلاً عن ضم الأراضي تحت تهديد السلاح، وقواتها المكونة بالأساس من «مستوطنين» يهود متعصبين، في سلوكٍ لا يختلف كثيراً عن سلوك لصوص الأراضي والعصابات الدولية الخارجة على القانون.

خلال نصف قرن من سياسات الاحتلال والضم غير القانوني للأراضي، والتي حُكم عليها الآن أن تزداد سوءاً، أخذت إسرائيل تنتهك عن تعمدٍ ودراية كل اتفاقيات القانون الدولي الرئيسية والمعاهدات وقرارات الأمم المتحدة، وشمل ذلك اتفاقيات جنيف، وميثاق الأمم المتحدة، وحدود تقسيم عام 1947، ومعاهدة كامب ديفيد، واتفاقيات أوسلو، وغيرها.

وقد منح هذا السلوك غير العابئ بالقوانين والاتفاقيات إسرائيل سمعتها المميزة، كونها من بين الدول التي ظلّت، وما زالت تتعرض للإداناتِ المتكررة من جميع منظمات حقوق الإنسان الكبرى هناك، وفي الأمم المتحدة ذاتها.

إرهاب إسرائيل يفضحه جنود جيشها

من الصعب إيجاد دولة مارقة على نحوٍ أسوأ من إسرائيل. إذ منذ لحظة نشوئها، ما انفكت إسرائيل تعتمد سياسات الإبادة العرقية، وتمارس العقاب الجماعي بحق السكان المدنيين العزل، وتقتل عائلات بأكملها، وتتعمد تشويه الأطفال، وتقصف المدارس والمستشفيات، وغيرها وغيرها من الجرائم الوحشية، في سلوكٍ بات علامة مميزة على دولة إسرائيل اليهودية، حتى وكأنه عادة يهودية لا تنقطع كخبز الحلة وطبق الحمين وسمك الجيفيلت.

حتى إن عدداً كبيراً من الجنود الإسرائيليين أنفسهم، بل آلافاً منهم، وغالباً من جنود النخبة الذين أعادوا تنظيم صفوفهم في منظمات وجمعيات لقدامى الحرب مثل منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية، أخذوا يشاركون في كشف وتوثيق استهداف إسرائيل المنهجي والمتعمد لفلسطينيين عزّل.

وكما تبيّن لقدامى المحاربين من حزب «المؤتمر الوطني الإفريقي» نظامَ الفصل العنصري في إسرائيل بمجرد رؤيته، وكما عرف الناجون من الهولوكوست ملامح الفاشية، فإن هؤلاء الجنود الذين تحلّوا بالشجاعة اللازمة يعرفون بلا أدنى شك ماهية ما يتحدثون عنه، إذ كانوا ذات يوم جزءاً منه.

لكنهم، أيضاً، في غالب الأحوال [سيُقال عنهم] «أعداء للسامية» أو «يهود كارهون لذواتهم»، لذا ربما علينا، بدلاً من ذلك، أن نصدق أمثال نتنياهو، الذي لا يتوقف عن الادعاء بأن إسرائيل هي «الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة؟