//Put this in the section

خلف كواليس اعتذار الحريري

مجد بو مجاهد – النهار

تسارُع عقارب الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، كان من شأنه إنتاج معادلة انتظرها طويلاً “صقور” بارزون في “تيار المستقبل”، وهي في رأيهم معادلة معاكسة تماماً لمعايير الربح والخسارة المنبثقة من المشهدية العائمة على سطح الاستشارات النيابية الملزمة. فالانتصار يكمن في رأي هذه الأوساط في رفض الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة محور الثامن من آذار، وهو السبب الرئيسي الذي دفعه الى الاعتذار عن عدم التكليف. الإشكالية تمحورت اذاً على قرار تكتل “الجمهورية القوية” عدم تسمية الحريري في الاستشارات، وهذا ما أشعر “المستقبل” بأنه أقرب الى تشكيل حكومة “حزب الله”، وفق ما تقول الأوساط، مع التأكيد أنه لم يكن من الجائز وسط الضغوط المثقلة من شتى الجهات أن يشكّل الحريري حكومةً لا تتمتّع بغطاء مسيحيّ كافٍ. وسُمع على لسان أحد “المستقبليين” المخضرمين عبارة تفيد بأن الحريري تأخّر في انتقاله الى صفوف المعارضة وأنّه لم يكن من الجائز تأييد استمراره في ما كان يسمّى تسوية، هي واقعياً مجموعة تنازلات تراكمية.




تتمثّل الأسباب التي دفعت “المستقبل” الى عدم تبنّي أي اسم لرئاسة الحكومة وقرار عدم التسمية في ارسال رسالة مفادها رفع الميثاقية عن أي مرشّح، فيما كانت تسمية أي مرشّح آخر تعني الدخول في بازار التسمية وقبول النتائج المترتبة عنها. وترى الأوساط أنه على عكس ما رُوّج عن أن عدم التسمية يُعدّ بمثابة “نصف قبول” بالمرشّح الذي تحلّقت حوله ثلاثية “الحزب” – “الحركة” – “التيار”، الا أنها رسالة واضحة “تُصرف” على أنها رفع للغطاء الميثاقي، وهي أشدّ وقعاً من تسمية أي مرشح آخر والدخول في لعبة فرز الأصوات والقبول بالنتائج. ومن ناحية أخرى، تنقل الأوساط عدم رغبة الرئيس الحريري في كسر الجرّة نهائياً مع الرئيس نبيه برّي، إذا ما سُمّي مرشّح يعارضه “الثنائي”، ومن هنا كان رفع غطاء الميثاقية كافياً.

ماذا حصل ليل أوّل من أمس حتى اختلطت الأوراق السياسية وعوّم اسم حسان دياب رئيساً مكلّفاً تشكيل الحكومة؟ يؤكّد مطلّعون على التطورات المتوالية أن إصراراً حصل من قبل فريق العهد على ضرورة تشكيل الحكومة، في حين كان هذا الفريق طرح في وقتٍ سابق خيار تشكيل حكومة الفريق الواحد، بعد دراسة احصائية أجريت تبيّن من خلالها أن هامش الأصوات التي يمكن أن ينالها مرشّح الأكثرية الثلاثية يراوح ما بين 68 و74 صوتاً. إصرار العهد على حماية الأكثرية نسبة اليه، لم تكن وليدة أمس، الا أن حلّاً مماثلاً لم يكن ليلقى صدى ايجابياً في وقت سابق لدى “الثنائي” الشيعي مع رهان واضح على دور يمكن أن يضطلع به الرئيس الحريري. في الايام الأخيرة التي تلت تأجيل اثنين الاستشارات، كانت هناك أجواء تعبّر عنها بوضوح أوساط مقرّبة من “الثنائي” بأن حكومة الأكثرية خيار يرجّح أن يعاد طرحه على الطاولة. الاصرار على تسمية دياب رغم شحّ الأصوات السنية، جاء نتيجة تسليم جزء من فريق الثامن من آذار بأن الميثاقية تقتصر على الجناحين المسلم والمسيحي ولا ترتبط بالمذاهب، مع اصرار على السير في القرار.

وفي الموازاة، ثمّة من يرى أن نية عدد من الكتل النيابية التعاون مع الحكومة المقبلة رغم عدم تسمية أي مرشح لرئاسة الحكومة، هو تعبير واضح عن عدم صدّ الأبواب بشكل كليّ في وجهها، وأن ثمة من يمدّ يد التعاون لها في مرحلة مقبلة مع ترقّب تطورات الشارع والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

لم يلقَ اسم الرئيس المكلّف حسان دياب صدى ايجابياً في صفوف أوساط بارزة في “تيار المستقبل”، التي تعتبر أن لا وجود لرئيس جديد للحكومة، بل إن البلاد ذاهبة نحو نموذج حكومة الثامن من آذار. وفي رأي أحد الوزراء السابقين المعاصرين لحقبة دياب في وزارة التربية، أن الأخير “معروف بعلاقاته وممارساته المرتبطة بقوى الثامن من آذار حتى في المسائل التفصيلية، وهو كان يستعين بأحد المستشارين المقرّبين من “حزب الله” الذي كان يضطلع باتخاذ القرارات”.

أمام هذا الواقع، هل تعيد المشهدية السياسية فرز محوري الثامن والرابع عشر من آذار؟ لا يمكن تبني اجابة قطعية عن هذا التساؤل، وهو رهن بمدى تلاقي رؤية الثلاثي الحريري – جعجع – جنبلاط، وهذا ما ليس قائماً حتى الساعة. ولا بد في لحظة راهنة من تسليط الضوء على ردود فعل الشارع أوّلاً، ومقاربة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يبدو، وفق المراقبين أنفسهم، أنها ذاهبة نحو الأسوأ ما يعزّز فرص تسجيل محور الرابع عشر من آذار نقاطاً تساهم في تلاحمه.

وبدا للمراقبين أن شارع الانتفاضة مربك حتى اللحظة في كيفية تعامله مع تسمية دياب، وقد يرجع ذلك الى أن الشارع لم يتعرّف بعد الى هذه الشخصية الجديدة نوعاً ما بالنسبة اليه. الا أن رفض الشارع السني لدياب بسبب صبغ الحكومة بفريق الثامن من آذار، اذا ما تصاعد، سيساهم في اعادة تعويم محور الرابع عشر من آذار، واعادة فرز المحورين المتقابلين في ظلّ اقتصار حالة 17 تشرين على معطيات معنوية وشعبوية لم يتم تأطيرها من ضمن حالة سياسية لها قياداتها. يأتي ذلك في ظلّ “نَفَس” سنيّ بدأ يُظهر تعاطفه مع موقف الرئيس الحريري و”التريو” الرئاسي، ما من شأنه أن يخلط الأوراق السياسية على نحوٍ مختلف.