جنبلاط ”المُتجدّد” في ٢٠٢٠

مجد بو مجاهد – النهار

التطوّر الأبرز الذي شغل مناصري الحزب التقدمي الاشتراكي في الأيام الأخيرة، والبيئة الدرزية عموماً، تمثّل في استقالة مفوّض الاعلام في الحزب رامي الريّس من منصبه بمبادرة شخصيّة، بعدما شغله خمس عشرة سنة. هذا القرار كان له وقعه الذي امتدّ إلى ما هو أبعد من حدود المناطق ذات الحضور الشعبي المؤيّد للتقدمي، مع انطباعات وآراء شكّلت ثقلاً في الثناء على خصال الريّس الشخصية والمهنية والأخلاقية. أتى ذلك في زمن الانتفاضة الشعبية التي حملت شعارات مطالبة بالتغيير، فيما عُلم أنّ السبب الرئيسي الذي دفع الريّس إلى الإقدام على قرار مماثل، هو مواكبةً مع الورشة الداخلية التجديدية التي أطلقها رئيس الحزب النائب السابق وليد جنبلاط.




استقالة الريّس أثارت ردود فعل سلبية ومتأسّفة على قراره، رغم أن البلاد تشهد زمن انتفاضة شعبيّة وترداد شعارات “كلّن يعني كلّن”، إلا أن حجم التفاعلات المؤيّدة للريّس التي وصلت إلى مسؤولين بارزين في الحزب في الساعات القليلة التي سبقت إعلان جنبلاط تعيينه مستشاراً (علماً أن معلومات “النهار” تشير إلى أن قرار التعيين الجديد كان اتّخذ تلقائياً في كواليس مناقشة قرار استقالة الريّس وقبل إعلانه عبر وسائل الاعلام)، كان كفيلاً بالتأكيد على ثقلٍ إيجابيّ تركه في نفوس عارفيه على قاعدة أنّه شخصٌ مناسب في مكان مناسب.

نقلُ هذه المعطيات والانطباعات، من شأنها أن تشكّل مثالاً حقيقياً على أنّ الإلغاء ليس هو المبتغى المرجوّ ولا يجب أن يكون هو المبتغى، وهذا ما يسجّل سلباً على شعارات إلغائية يتبناها البعض، بقدر ما يتوجّب أن تتمثّل الأهداف في المحاسبة الداخلية والتجديد على امتداد الجغرافيا اللبنانية و”نفضها”، وأنّ كلّاً من هذه الاحزاب على اختلاف برامجها وشعاراتها تضمّ في صفوفها “الأوادم” وغير “الأوادم”، وأن المطلوب هو “الفلترة” والحفاظ على “الأوادم”، وهذه الأجواء تشكّل ردود الفعل الشعبية المواكبة للورشة التجديدية التي يكبب التقدمي عليها هذه الفترة.

ويبدو جلياً أن جنبلاط يفضّل الابتعاد عن الكباش الداخلي المستمرّ في الملفّ الحكومي. وفي رؤية أوساط بارزة في التقدمي، لا شكّ في أن “هذا الملفّ يزداد صعوبة وتعقيداً بسبب تباين وجهات نظر الكتل النيابية حول طبيعة الحكومة وهويتها، وهذا ما يعقّد المسألة ما بين حكومة التكنوقراط والحكومة التكنو-سياسية من جهة، فيما يعتبر بعض القوى السياسية أنه يمكن تأليف الحكومة بالطرق التقليدية من دون الأخذ في الاعتبار المتغيرات التي حصلت بعد 17 تشرين. وإذا كان مجلس النواب لا يزال يرتكز في تركيبته إلى نتائج الانتخابات الأخيرة التي تضم الكتل البرلمانية، والتقدمي جزءٌ منها، إلا أنّ الصحيح أيضاً أن هناك تحوّلات كبيرة طرأت بعد مرحلة الانتفاضة، لا بدّ أن تأخذ في الاعتبار متطلبات الشارع المشروعة”.

انطلاقاً من هذه المعطيات، يتمسّك التقدمي بعدم مشاركته في الحكومة العتيدة، وهذا العنوان العريض تؤكّده الأوساط نفسها، علماً أنه “لا بدّ أوّلًا من تجاوز إشكالية التكليف وتحديد هوية الحكومة وعندها قد تتبدّل الأوراق”.

المشهدية ما بين الانتفاضة ودور الحزب التقدمي في الجبل، تستقرئها الأوساط كالآتي: “قد تكون هناك تباينات في وجهات النظر بين أبناء المنطقة الواحدة وهذا ينعكس على امتداد الجغرافيا اللبنانية، لكن الانتفاضة حملت شعارات وعناوين ليست بعيدة من جماهير الأحزاب في كليتها والتي لا تأتي من مجتمع آخر. وكان الحزب التقدمي أقلّ حزب احتكّ سلباً مع جماهير الانتفاضة (سجّلت حالات نادرة) في كلّ المناطق انطلاقاً من السقف الذي وضعه جنبلاط منذ 17 تشرين الأول ليؤكّد على المطالب المشروعة وعلى ضرورة البحث في تطلّعات الشارع وطموحاته. وعليه، لا يضع التقدمي نفسه في وجه الثورة، ولا يقبل أن توضع في مواجهته، لأنها تحمل عناوين طرحها الشهيد كمال جنبلاط في البرنامج الاصلاحي سنة 1975 رغم أن الظروف لم تسمح إلا بتجذّر النظام الطائفي بدلاً من إلغاء الطائفية السياسية. وفي السياق، يضع التقدمي الحملات التي تستهدفه في خانة الاستهداف السياسي”.

الورشة الداخلية التي تشغل جنبلاط، ليست الأولى من نوعها. وهي تحمل هذه المرّة عنوانين أساسيين: بناء خطاب سياسي جديد أكثر شبابية، ومقاربة الملفات المطروحة بالتوازي مع تشكيلات وتعيينات جديدة تتلاءم مع المرحلة الراهنة، على أن تتبلور معالم الورشة تدريجياً مع انطلاقة العام الجديد.

أمام هذا الواقع، ردّد أحد صقور مرحلة الرابع عشر من آذار في مجلس خاص أن جنبلاط هو الوجه السياسي الأكثر قدرةً على التكيّف مع الانتفاضة التي تشهدها البلاد، خصوصاً أن حزبه يساريّ التأسيس وفي مقدوره أن يلعب الورقة التي يراها تتناسب مع مقتضيات المرحلة.

ولوحظ جلياً أن النائب بلال عبدالله يضطلع بدور قياديّ بارز هذه المرحلة، وهو الوجه الذي يعتبره حزبيون ومناصرون من بين الأقرب إلى تجسيد مرحلة نبيذ الحزب المعتّق ومؤسّسه كمال جنبلاط، في كونه ليس درزياً ما ينقل صورة الحزب العابرة للطوائف أولاً، وكاراكتيره اليساريّ الطابع ثانياً، وصورته وسمعته في الجبل وفق انطباعات شريحة واسعة من المناصرين.

ويتماشى ذلك مع رؤية النخبة التقدمية التي ترى أن المرحلة تتطلّب أوّلاً الإكباب على قراءة حبر كمال جنبلاط.