السباكة السياسية! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

لا يتوقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن ترديد أنه الرئيس الأكثر دعماً ومساندة لدولة إسرائيل عبر التاريخ، وهي مسألة تكررها الحكومة الإسرائيلية باستمرار، لكن مع كل هذا الدعم غير المسبوق تعاني الجالية اليهودية الكبيرة الموجودة في أميركا من ارتفاع قياسي وتاريخي غير مسبوق عليها في جرائم توصف بالكراهية ومعاداة السامية.

إنها المعضلة التي تواجه مؤيدي ترمب، فهو «عقائدياً» قام بالدعم الأعظم لإسرائيل لاستمالة الناخب المسيحي الإنجيلي اليميني الأصولي، وخطابه نفسه أعطى صوتاً ووجوداً للعنصرية البيضاء الشديدة التطرف التي تتحدر من الأقليات العرقية والدينية كافة. وها هو التاريخ يكرر نفسه، ويعيد تذكيرنا بأن الكراهية والعنصرية التي تتغلف بالوطنية أو التدين، سرعان ما يسقط قناعها سريعاً ليظهر الوجه القبيح لها. وهذا ما يحدث الآن في بعض الدول الغربية؛ أصوات شاذة ترتفع حاملة شعارات الوطن ومحبته، وفي الوقت نفسه مولدة نماذج سياسية واجتماعية مليئة بكل ما يخالف الحقوق الدستورية التي تأسست عليها هذه الدول. والشيء نفسه يحصل في منطقة الشرق الأوسط من قبل إيران وتركيا (كل بنسخته المختلفة عن الثاني تماماً، لكنهما يتفقان متى اقتضت المصالح على ذلك). الفريقان يدعمان القوى المدمرة والمتطرفة ويدعمان الميليشيات الإرهابية، وليس هناك دليل أقوى ولا أدل عن الآثار التي خلفها التدخل الإيراني والتركي في المناطق التي دخلوا على الخط فيها. رفع كل من تركيا وإيران شعارات نصرة المظلوم وحماية الدين، وواقع الأمر أنهما كانتا تنسجان المشهد لدعم مشروع طائفي توسعي يعيد إحياء إمبراطوريات سابقة، وتحت هذه الشعارات لا يكون مهماً عدد القتلى والأرواح التي تزهق والأكاذيب التي يتم الترويج لها.




اليوم، نرى المشهد نفسه يحصل في الهند، الديمقراطية الأكبر في العالم، والنموذج الذي يضرب به المثل في نجاح العلمانية والدولة المدنية؛ إذ اخترق الجهاز السياسي والحكومة فيها عناصر من مجموعة RSS الأصولية الهندوسية المتطرفة، وبدأ في تقديم سياسات وتشريعات متطرفة؛ مما أدى إلى غضب شعبي عارم وعريض في معظم المدن الهندية ضد قرارات وتشريعات الحكومة الأخيرة.

والهند لديها حساسية مفرطة من التطرف، فمؤسس الاستقلال الهندي الحديث غاندي اغتيل على أيدي متطرفين هندوس، وأنديرا غاندي على أيدي متطرفين من السيخ، وراجيف غاندي على أيدي متطرفين من التاميل.

العنصرية سرطان الشعوب، ويزكيه وبقوة الشعارات الدينية والوطنية، وهذا يفسر الهستيريا العنصرية في ملاعب كرة القدم، وفي التشريعات المعادية للأقليات، لكن هناك ردة فعل عالمية لفضح هذا النهج الديني والوطني المدمر، وسيتم الكشف عن كل عنصري؛ فالعنصرية هي التحرش الاجتماعي المرفوض بالفطرة، وفي عصر الفضاء المفتوح لم يعد ممكناً التستر عليه.

«السباكة السياسية» هي إدراك الأنظمة لمناطق الانسداد في «المواسير» الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قبل «انفجارها»، وفتح المسدود يكون بإيجاد توازن بين الحقوق التي تحفظ الكرامات والاستقرار، هذا ميزان حساس ودقيق، لكن النجاح فيه يجلب الخير العظيم.