وسام سعادة - القدس العربي

لبنان: صراع طبقي بين الطوائف… صراع طائفي بين الطبقات – وسام سعادة – القدس العربي

أسوأ أسلوب لمقاربة الطائفية اختزالها إلى محض تضليل يبثه الأقوى جاهاً أو شوكة لإخضاع الأضعف، سواء على صعيد المجتمع الطوائفي مأخوذاً ككل، أو على صعيد كل طائفة بمفردها. مثل هذه المقاربة التسطيحية لا تزال تعرقل تشكل وعي اكثر جذرية واكثر عملانية في نفس الوقت، بالنسبة الى اوضاع لبنان.

في الطائفية آليات تضليل وتعمية لا شك، لكنها مسندة بآليات إفصاح ومجاهرة أيضا. فيها أواليات تحكّم بأبدان الناس وألسنتها، بحياة الناس وموتهم، لكن فيها ما يتعدى ثنائية القمع والتضليل. فيها ذاكرة صراعات معاشة وفعلية بين أبناء الجماعات المختلفة وأساطير موظفة في هذه الصراعات، او أساطير تخرج منها.




لأجل هذا، من قبيل الشطط اعتبار الطائفية «بلا تاريخ»، بجوهر واحد ثابت لا يتبدل مضمونه وفحواه.

الطائفية متبدلة حكما لكنها مراوغة ومخاتلة الى أبعد حد. تضمر او تخفت في لحظة، فتعود فتستثمر في صخب المتسرعين لاستصدار وثيقة وفاتها.
لكن الطائفية ليست مستدامة الى ما لا نهاية أيضا، الا في صورتها عن نفسها، مع أن الطائفية كثيرا ما يروق لها ايضا أن تتدثر برداء «اللاطائفية»، بخاصة وان كل جمهرة من طائفة تحمل سواها في الطوائف الاخرى مسؤولية استشراء أو تأبيد الطائفية.

غالبا ما تترادف الطائفية واللاطائفية. فالطائفي يعتبر نفسه كذلك بسبب طائفية الآخر التي حاملتها على الابقاء على هذا الصنف. في وقت واحد، تقدم نفسها الطائفية بوصفها من طبيعة الأشياء وبوصفها الخروج الاضطراري عن الطبائع حينا، وعن الشرائع حينا.

باشتعال الانتفاضة اللبنانية، المتواصلة بتقطع اليوم، درجت جملة أوهام حول الطائفية. ليست جديدة في معظمها، الا من ناحية جموحها الزائد هذه المرة. من هذه الاوهام اقامة مجموعة من المناقضات، بين الطائفية واللاطائفية، كما بين ما هو طائفي وما هو طبقي، وبين ما هو طائفي وبين ما هو وطني. جرى التعامل مع الطائفية كما لو انها تضليل يمارسه الاقوى والاكثر ثراء لتخدير الناس، وتقسيمهم بين بعض، ودفعهم للتناحر بدلا من التضامن لنيل حقوقهم.

المشكلة مع كل هذه المناقضات القطعية المستعجلة انها حينا تواجه الطائفية انطلاقا من نموذج الفرد، وحينا انطلاقا من فكرة ما حول المجتمع، انما على قاعدة تسطيح ما تختزنه كل طائفة، وبالتفاوت مع سواها، من علاقات بين المجتمعي والفردي فيها.

هل تطرح ما هو اكثر تماسكا في حركة تضامنه الداخلية من النماذج المتخيلة للطائفة عندما تقارع الوجود المتعين لهذه الاخيرة او تواجهها بذرات متشظية وخيلات انطباعية؟

فارق كبير بين المستويين. ليس بثنائية الفرد الذري «الموناد»، والمجتمع المكابر على اختلافيته يمكن تفكيك سحر الطائفية، انما «بالسحر» في مقابل السحر، بتقبل ان المجتمع يتكون من جماعات، وبأن الطوائف ليست الجماعات الوحيدة فيه، وبأن هناك جماعات تخرق الطائفة واخرى تتكون «داخلها»، وبأن هناك تفاوت بين الطوائف ليس فقط في العدد، وليس فقط في النفوذ، لكن ايضا هناك تفاوت في حظ كل منها من الواقع، وحظ كل منها من تدوير الأساطير.

وفي الطوائف شكل من أشكال النظرة المتبادلة، من موقع كل جماعة الى أخرى، اما بدعوى ان الجماعة الأخرى لها سبيل الى موارد الثروة والسيطرة أوسع وأشد، واما التفاخر على العكس من ذلك بما لجماعة «النحن» من فوز بالنعم الفعلية أو المتخيلة، و»بالعبقريات»، الخرافية في معظمها.

في الطائفية شكل من أشكال الصراع الطبقي المقلوب على رأسه، الصراع النافي للصراع الطبقي الفعلي، او الحاجر له .

كل طائفة ترى الى نفسها كمحرومة و»فقيرة» وهي تنظر الى ما عند أغنياء الطائفة الأخرى، لكن ثمة أيضا، وفي كثير من الأحيان، نظرة تشاوف طبقي بين الطوائف، يشعر فيها الفقير من طائفة بوحدة حال مع ذوي الثروة والمكنة فيها، ظانا بأن طائفته بمعدلها الاجمالي العام هي أغنى و»أرقى» بكليتها من سواها، وأنها لأجل ذلك موضع حسد وغيرة بين أسرابها. اختزال كل ذلك بأن الفقير من طائفة خاضع لمركب التضليل والقمع من لدن «الكبار» أو من قبل «السستام» الطائفي برمته، لا يكفل تفسير ظواهر الطائفية وتاريخيتها، وكلما أفلح في تفكيكها عمليا، وجل ما تمكن منه هو الاسهام في اعادة انتاجها.

فالمناقضة، لأجل ذلك، بين الطائفي وبين الطبقي، التي تصح من وجه، ما دام الصراع الطائفي يمسخ الصراع الطبقي أو يطمسه، لا تصح من كل وجه، ما دام هذا المسخ هو بحد ذاته شكل من اشكال الصراع الطبقي ايضا.

فخطاب «اما الطائفية واما طبقية الصراع» ليس له مسند من زاوية المادية التاريخية. هو خطاب ليبرالي ولو غلف بغشاء متمركس. خطاب متمحور حول الفرد. الفرد الذي تلغيه الطائفية بهذا الزعم، ولا يستطيع ان يحرر الصراع الطبقي الا عندما يتحرر من الطائفية.

لا يمكن ماديا تاريخيا حصر الخيار بين اعتبار الطوائف اوهاما ايديولوجية فقط وبين اعتبارها كائنات موجودة ومحققة ومنجزة. هي ذاكرات ومخيلات جماعية وأهرام اجتماعية مختلفة من طائفة الى اخرى، كما ان الطائفة هي المجال الوحيد للتصاهر عند العدد الاكبر من الناس في بلدان المشرق.

من الوهم تخيل أن الصراع الطائفي او المذهبي قائم في ناحية، والصراع الطبقي في ناحية اخرى. يمكن أن يستعر هذا على حساب ذاك، لكن من الممكن ايضا ان يستعرا معا. في لحظات نعيش ما هو اشبه «بصراع طبقي بين الطوائف» (طوائف تنظر الى بعضها البعض بمنظار ان الواحدة تستولي على الموارد على حساب سواها)، وفي لحظات اخرى ما هو اشبه بصراع طائفي بين الطبقات (عندما تنتشر في بيئة اجتماعية معينة عناصر تماهي بين الوضع الطبقي لهذه البيئة وبين الهوية الدينية لها). ان يستقل الصراع الطبقي عن الصراع الطائفي فهذا يمكنه ان يحدث في شروط محددة، لم تتأمن حتى اليوم الا في لحظات خاطفة، ويمكن ان تتأمن أكثر اذا ما تنامت قناعة بأن التحرر من نموذج في الاقتصاد النهبي وفي دولة المناهبة لا يبنى على انكار الاختلافات بين الناس، وانما على عيشها كلها في نفس الوقت وبالتوازي.

فالوعي الطبقي يعني ايضا الوعي بأن الطبقات لا تحتكر كل التمثلات الجمعية والمجتمعية، خاصة في مجتمعات لم تنجز فيها ثوراتها الحداثية البرجوازية، ويبقى فيها الطبقي متداخلا مع الإثني والقبلي لأبعد حدود. فحتى لو اكتشفت الناس في لبنان مثلا بأن الطائفية سيئة والصراع طبقي في اساسه، فهذا لن يجعله صراعا طبقيا صافيا. فالوعي بالطبقة ليس انطباعا صوفيا تناله، إنه وعي بأنك تنتمي الى طبقة اجتماعية، وبأن تحويل هذه الطبقة الى «جماعة حية» ليس بمعطى بديهي، ولا يمكن في حال الطبقات الشعبية أن ينعزل تماما عن مقولة «الشعب»، هذا رغم كل محاذير الغلو في الشعبوية، وان لم يكن مفر من التفاعل مع شيء منها.