2019 عام سقوط التسوية و”النأي”: خرج الحريري وبقي عون وباسيل

سابين عويس – النهار

على رغم كل المساوئ التي حملها العام المنصرم نظراً إلى طبيعة الاضطرابات السياسية والاقتصادية والمالية التي شهدها، وعطّلت كل حظوظ الخروج إلى مرحلة التعافي والاستقرار المفترض أن تكون النتيجة الحتمية للتسوية السياسية بين سيد العهد ورئيس حكومته المستقيل، فإن ما شهده لبنان في الفصل الأخير من السنة، فاق كل التوقعات السلبية حيال مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي والمالي.




ليس السبب انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول التي كانت على العكس، النتيجة الحتمية للأوضاع المتردية على أكثر من صعيد، والتي دفعت المواطنين إلى الانتفاض على واقع سيّئ مأزوم لا رجاء فيه بفعل سلطة قمعية عاجزة عن محاكاة هموم شعبها.

وليس السبب حتماً تلك الانتفاضة التي شكلت الشرارة لأمل بدأ يتجسد في نفوس منهكة بفعل ثقل الأزمات، بل هو في الواقع نتيجة أداء سياسي يقوم على معادلة بسيطة وإنما شائكة تتجلى في سوء تقدير وسوء تدبير.

إذا كانت استقالة الرئيس سعد الحريري قد جاءت على وقع صرخة الشارع وتلبية لمطلبه، فالأكيد أن كل الأداء السياسي غداة تلك الاستقالة لم يكن إلا ليفاقم الأزمة ويزيدها تعقيداً، ويؤكد الامتداد الخارجي لها.

لم يكد يمضي على انتفاضة الشارع 12 يوماً حتى استجاب الحريري وأعلن استقالة حكومته في 29 منه، فاتحاً بذلك البلاد على كل الاحتمالات والخيارات، ليس انطلاقاً مما سترتبه هذه الاستقالة على البلاد المأزومة أساساً تحت وطأة الانهيار المالي والاقتصادي المتسارع، وإنما أيضاً مما سترتبه على المشهد السياسي والعلاقات بين الشركاء في الحكم، لا سيما وأن الحريري عاد إلى السلطة بعد إسقاط حكومته الاولى عام 2011، بموجب تسوية صاغها مع الفريق السياسي ذاته الذي أسقط الحكومة.

بعد مضي شهرين على الاستقالة، و12 يوماً على تكليف حسان دياب تأليف الحكومة الجديدة، وسط مقاطعة سنّية واضحة بقيادة الحريري نفسه، بدأت تتظهر خريطة المشهد السياسي في ظل التموضع الجديد الذي انتهجه أكثر من فريق وفي مقدمهم زعيم “المستقبل”.

فالاستقالة التي أسقطت آخر أوراق التين لعلاقة هجينة ربطت الحريري بـ”حزب الله” على قاعدة “ربط نزاع”، ومنع الاحتقان السنّي- الشيعي، شكلت كذلك رصاصة الرحمة في جسد التسوية السياسية المبرمة مع رئيس الجمهورية و”تياره الوطني الحر”.

وعلى رغم أن تلك التسوية قضت بوصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا مقابل ترؤس الحريري كل حكومات العهد، فإن الاستقالة من خارج موافقة عون والحزب، شكلت الضربة القاضية للحريري لجهة العودة إلى السرايا، فانتهت عمليا إلى خروج الحريري من السلطة مقابل بقاء عون وإلى جانبه مهندس التسوية جبران باسيل فيها.

أما على صعيد العلاقة مع الحزب، وعلى هشاشتها، فهي قد تنقطع في السياسة، لكنها ستستمر على مستوى التنسيق منعاً لأي تفلت يؤدي إلى تفجير الاحتقان في الشارع، نظراً إلى ما يمثله هذا الأمر من أولوية بالنسبة إلى الشارعين السنّي والشيعي على السواء.

على المقلب الاقتصادي والمالي، سيخفف خروج الحريري من السلطة عبء مسؤولية الانفجار الكبير عن كاهله، بعدما باتت هذه المسؤولية كرة النار التي سيتلقفها الرئيس المكلف وحكومته من أسلافه، وسيتعين عليه التعامل معها من موقع أن الحكم استمرار، علماً أن السؤال المطروح بإلحاح اليوم في الاوساط الاقتصادية والسياسية يكمن في تبيّن ما إذا كان خروج الحريري من الحكم سيحجب الدعم العربي والدولي للبنان.

بعض الأوساط الواقعية في قراءتها تقول إن الدول والمؤسسات الدولية تتعامل مع الحكم وليس مع الاشخاص، وإذا نجح دياب في تأليف حكومة تضم أسماء تتمتع بالاستقلالية والنزاهة، فهو سيربح الرهان ويحظى بالدعم، مستفيداً مما وصفته الأوساط “انزعاجاً” من الرئيس السابق للحكومة نتيجة فشله في تنفيذ التزامات حكومته بالمشروع الاصلاحي، بقطع النظر عن التعطيل أو المعوقات التي تعرَّض لها.

ماذا عن المستقبل السياسي للحريري؟ تسأل الأوساط عينها، مضيفة بالتساؤل: هل سينتقل إلى صفوف المعارضة أم يعيد استنساخ نموذج خروجه من السلطة عام 2011 فيترك الساحة السياسية وينسحب؟

حتى الآن، لا يبدو لأوساط قريبة من “بيت الوسط” أن الرجل قرر الانسحاب، بل على العكس، كل المؤشرات تشي بأنه مصمم على الانتقال الى المعارضة، وإن لم يحسم أمره علناً بعد.

ولكنها في المقابل، ليست على بيّنة من الاستراتيجية التي سيعتمدها، وما إذا كان سيقود معارضة أو سيكون وحيداً فيها في ظل الخلافات التي تُبعد بينه وبين حلفاء الأمس.

إلى ذلك، تشكك مصادر قريبة من الفريق الخصم، في إمكان انتقال الحريري الى المعارضة، مستندة إلى رفضه خوض معركة في وجه ثنائي الحزب والعهد، بحيث آثر عدم تسمية مرشح لرئاسة الحكومة، لاعباً على وتر الميثاقية، خوفاً من خسارته مثل معركة كهذه، إذا لم ينجح في جمع حلفاء الأمس حول اسم موحد.

وفي رأي هذه المصادر أن الحريري سيعوّل مستقبلاً على فشل حكومة دياب في تنفيذ التزامات المجتمع الدولي ولا سيما حيال سياسة النأي بالنفس التي تشكل مطلباً اساسياً يرمي إلى ضبط تضخم “حزب الله” وامتداده الإقليمي.

وفي انتظار بلورة ملامح حكومة دياب التي على أساسها يمكن تبيّن بيانها الوزاري وبرنامجها الحكومي، تُقبل البلاد على سنة جديدة حبلى بالتحديات والاستحقاقات الكبرى، وقد فقدت ورقتين من رصيد السلطة الحاكمة: التسوية والنأي لتطلق العنان لمرحلة جديدة قائمة على تسوية أخرجت شريكين مسيحي وسنّي من الحكم، ووضعت لبنان في أتون المواجهة الأقليمية والدولية!