أرقام المالية العامة كارثية!

سابين عويس – النهار

في الوقت الضائع، في انتظار بلورة المشاورات الجارية لتسريع خطوات تأليف الحكومة العتيدة، وفيما غابت اية مساعٍ رسمية للتعامل مع تداعيات الازمة المالية والنقدية والاقتصادية التي تضرب البلاد بأقسى الضربات، برز امس الاجتماع الذي عُقد في ساحة النجمة للجنة المال والموازنة مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف سليم صفير، بمشاركة وزير المال علي حسن خليل، وذلك بناء على طلب رئيس اللجنة النائب ابرهيم كنعان.




لا تكمن اهمية الاجتماع في المواضيع التي تناولها فحسب، وانما ايضا في الإجراءات التي تمت مناقشتها والقرارات التي اتخذت في شأن بعضها، فيما بقي بعضها الآخر رهن اللجنة التي انشئت لمتابعة الآليات القانونية في صددها.

فالاجتماع هو الاخير للجنة لانجاز مشروع قانون موازنة 2020، وقد خلص الى اقرار مسودته معدلا على ضوء ما انتهت اليه اللجنة من اقتراحات على صعيد خفض تقديرات الانفاق، وكذلك الايرادات، بعد الارقام الكارثية التي قدمها وزير المال في الجلسة السابقة حول توقعات الايرادات التي تبين ان المشروع المحال على اللجنة كان قد توقع ايرادات مجموعها 20 الف مليار و942 مليون ليرة، لكن خليل عدَّل هذا الرقم وفقا لما تم تحصيله عام 2019 مقارنة مع ما كان متوقعا، ليخفض سقف توقعاته الى نحو 14 الف مليار، اي بخفض 7 آلاف مليار ليرة تقريبا، منها تراجع الايرادات الضريبية من 15 الف مليار و674 مليون ليرة في توقعات المشروع الاساسي الى 9 آلاف و966 مليون ليرة في المشروع المعدل، وذلك بسبب تراجع الايرادات المحصلة، فضلا عن تراجع قدرة الدولة على تحقيق الجباية بفعل عاملين: اولهما تراجع النشاط الاقتصادي بشكل خطير ادى الى تراجع النمو الى مستوى سلبي، ما يعني ان تحصيل ايرادات جديدة سيكون امرا مشكوكا فيه. اما العامل الثاني فيكمن في تخلّف المكلفين عن دفع المتوجبات عليهم بفعل العصيان المدني الذي يمارسه جزء كبير منهم بعد انتفاضة 17 تشرين.

والواقع ان ارقام 2019 كانت بدورها كارثية، اذ بينت نتائج المالية العامة ان الايرادات المحصلة حتى تشرين الاول بلغت 11,475 الف مليار ليرة مقارنة مع توقعات بـ18,782 الف مليار للاشهر الـ12 من موازنة 2019!

ارقام الايرادات هذه تعني ان هناك استحالة في تحقيق عجز بنسبة صفر في المئة كما توقع مشروع الموازنة. وقد دفع هذا الامر الى قيام لجنة المال باجراء خفض جديد على النفقات بقيمة الف مليار ليرة، ليتراجع الانفاق من 24 الفا في المشروع الاساسي الى 19,8 الفا في اول تعديل الى 18,8 الفا في آخر تعديل، اضافة الى تدبير آخر سيتحمله المصرف المركزي، في ظل عجز المصارف عن الدخول في تمويل عجوزات الخزينة. وهذا سيعيد قيمة العجز الى ما كانت عليه قبل تدخل المركزي، علما انه، ورغم اجراء المركزي بإطفاء 4 آلاف مليار من الفوائد، سيظل العجز في حدود الفي مليار ليرة وليس صفرا!

ففي حين كان التعويل على المصرف المركزي والمصارف لتأمين اكتتابات بقيمة 5 آلاف مليار ليرة لتغطية العجز، فقد طرحت اللجنة في الاجتماع مع الحاكم هذا الموضوع ليتعهد الأخير، وفق المعلومات المتوافرة، ان يعفي الدولة من 4 آلاف مليار ليرة من خلال شطب فوائد مستحقة لها نتيجة اكتتابات في سندات الخزينة.

قد تكون العملية في شكلها، مسألة دفترية، ولكن ما لم تقله اللجنة لسلامة، لم يتردد اعضاء فيها عن التفكير فيه ويكمن في السؤال عن الآلية التي سيغطي بها المركزي هذه العملية في ميزانيته، واين سيسجل هذه المبالغ في خساراته؟

الى هذه المسألة الدقيقة والحساسة والتي لم تلقَ جوابا بعد، ذهبت لجنة المال الى تبني اقتراح وزير المال حول رفع قيمة الضمان على الودائع من 5 ملايين ليرة الى 75 مليونا، على ان تلحظ هذا الاقتراح في بند في قانون الموازنة، لأن زيادة قيمة الضمان تحتاج الى آليات قانونية لتحديد نوع الوديعة التي سيتم ضمانها، وهل تقتصر على العملة الوطنية ام تشمل الودائع بالعملات الاجنبية ايضا، علما ان هناك رأيا تجلى في مناقشات اللجنة حول ضرورة ان يشمل الضمان العملات الاخرى، نظرا الى المخاطر التي قد تواجه استقرار الليرة وثباتها، لعدم ذوبانها.