مسوّدة دياب في مهبّ الغضب السنّي

مجد بو مجاهد – النهار

العاصفة “لولو” نابت في الساعات الأخيرة عن رياح السابع عشر من تشرين الأوّل وعن مهبّ غضب الشارع السنّي على السواء، ويرجع ذلك الى دخول البلاد زمن الأعياد المجيدة. لكن المعلومات والمؤشرات المسجّلة في فلك أوساط سياسية واسعة الاطلاع، تفيد بأن عاصفة الغضب السنيّ قابلة للتجدّد وأن الاستعدادات جارية للنزول الى الشارع مطلع السنة المقبلة. وينعكس جمر الغليان السياسي والشعبي في الكواليس، رفضاً من شخصيات سنية مرموقة لتولّي حقائب وزارية في الحكومة العتيدة، وعدّاد الاعتذار عن قبول المهمّة سجّل حالات بارزة في الساعات الأخيرة.




الاحتجاجات الواسعة التي عمّت الشارع السنيّ بُعيد تكليف دياب من الشمال مروراً بالبقاع فبيروت، تكلّلت في صيدا مع انزال صورة كبيرة كانت رُفعت لدياب على أحد المباني، على أثر ما وصفه المعترضون بالعمل الاستفزازيّ للمدينة واطلاقهم شعار “دياب لا يمثّلني”. لكن الرفض السني شبه المطلق، لم يؤثّر في دياب الذي يبدو حتى اللحظة ماضياً في مهمّته، رغم كلّ الحقائق التي يصطدم بها. وهذا ما ليس بجديد، استناداً الى الأوساط التي عاصرت حقبته الوزارية، في قولها إنه كان فتح خطوطا سياسية من تحت الطاولة مع فريق الثامن من آذار، وكان يعمل على بناء عالم أحلام طموحاته السياسية قبل سنين من خروج اسمه “أرنباً” من كمّ الفريق نفسه الذي كان تماهى معه.

وتروي الأوساط أن “النقمة على دياب بدأت منذ كان وزيراً نسبةً الى تصرّفاته الشخصية. فهو وضع مستشاراً اضطلع بدور الوزير الفعلي في الوزارة، وخالف القانون في خضمّ ولايته بعدما أطلق اسم والدته على إحدى المدارس، وما لبث قبل خروجه أن أصدر كتابين يتضمنان صوراً لتأملاته بوزن خمسة كيلوغرامات”، مؤكّدةً أن “ولاية دياب الوزارية لم تشهد أي لمعة، والهدوء المصطنع لا يجعل منه شخصية جديرة بقيادة السفينة في هذه المرحلة في ظلّ غياب الغطاء الشعبي والطائفي وعدم قدرته على التحرّك، الا اذا كان شخصية متماهية مع صورة حكومة تفليسة ومواكبة الانهيار في ظلّ غياب الغطاءين العربي والدولي”.

لا ترى الأوساط – بخلاف ما يقارن البعض – أن هناك وجه شبه بين ظروف دياب الراهنة وظروف تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2011. وكانت حكومة ميقاتي ولدت في ظلّ اتفاق مع دار الفتوى على ورقة ثوابت تكلّلت مع خبرة سياسية في الشأن العام منذ عام 1998، ومع ثقل شعبي وشرعية دينية على السواء. ورغم أن الشرعية الدينية ليست شرطاً دستورياً، ولا يُقصد منها ابتكار أعراف جديدة، الا أن الظروف الدقيقة التي تحيط بالبلاد راهناً، لا تتلاءم مع شخص دياب الذي هبط من “مظلّة” مجهولة نسبة الى السنّة من دون أن يتمتّع بأي ثقل شعبي يخوّله خوض غمار المغامرة.

الى ذلك، تروي الأوساط نفسها معلومات تشير الى انقطاع عن التواصل بين دياب والرئيس ميقاتي الذي كان عيّنه وزيراً في حكومته. أتى ذلك بُعيد انتهاء عهد الحكومة وقتذاك، اذ انقطع دياب عن زيارة الزعيم السني أو التحدث اليه هاتفياً، وانقطعت “المرحبا” فجأة بعدما فتح خطوطاً سياسية مغايرة أثناء ولايته الوزارية.

من جهتها، تكتفي مصادر الرئيس ميقاتي بالتأكيد لـ”النهار” أن غياب الأخير ناجم عن ارتباطات عمل خارج البلاد، وأن موقفه يلخّص بما قاله من بعبدا بُعيد عدم تسميته أي شخصية لتولي رئاسة الحكومة، اذ قال: “وضعنا ككتلة الوسط المستقل معايير لاختيار رئيس الحكومة الذي سيقوم بالمهمة الصعبة، ولم نجد أحداً يمتلك هذه المواصفات مع احترامي للأشخاص، واعتذرنا عن عدم تسمية أحد لرئاسة الحكومة”.

وفي غضون ذلك، تستقرئ أوساط قيادية في “تيار المستقبل” تجدّد الغضب السني بعد انقضاء فترة الأعياد، في ظلّ هواجس سنية متعاظمة منذ فترة طويلة نتيجة الواقع العام في المنطقة، مع مخاوف من أن تتحوّل الاحتجاجات الى فوضى عارمة بسبب غياب القيادة الحقيقية للتظاهرات. وبات واضحاً نسبة الى الكواليس “المستقبلية” سير دياب في التأليف وفق التركيبة المقدّمة اليه، رغم أن ذبذبات خلاف على الحصّة المسيحية في الحكومة من شأنها أن تؤخّر ولادتها. أمام هذا الواقع، يتعامل الرئيس الحريري مع واقع مماثل على قاعدة المعارضة انطلاقاً من موقعه رئيساً لـ”تيار المستقبل” ولكتلته النيابية.

في الخلاصة، أسئلة كثيرة تُطرح عن السيناريو الذي ينتظر الرئيس المكلّف في المقبل من الأيام. ما هو مؤكّد حتى اللحظة لأكثر من مصدر مراقب، أن دياب لم ينجح في صناعة شمّاعة التخفي خلف مطالب الانتفاضة، في ظلّ التناقضات التي برزت في مواقفه وشدّ الحبال العلني الذي ظهر بين الأطراف التي سمّته لرئاسة الحكومة. وبذلك، يصوغ دياب مسوّدته الحكومية مع عصف انتفاضة الحراك وانتفاضة السنّة في آن واحد، ما يجعل منه أقرب الى سيناريو أمين الحافظ بعد التأليف، في ظلّ نقمة سنية يشبّهها من يعيشها بالاحباط المسيحي مطلع التسعينات، الذين بدورهم انتفضوا عندما سنحت لهم الفرصة، وهذا ما يفعله السنّة اليوم.