غناء وسياسة: خلطة عمر! – حسين شبكشي – الشرق الاوسط

السياسة والغناء والموسيقى خلطة خطيرة ومكلفة. فالموسيقى والغناء تم «توظيفهما» سياسياً في مناسبات مختلفة، والنتائج كانت في معظم الأحيان تأخذ بعداً درامياً لا يمكن إنكاره. على المستوى العربي كانت صولات وجولات سيد درويش ضد الاحتلال الإنجليزي معروفة، وساهمت في تأجيج الروح الوطنية، وطبعاً تمكن عبد الناصر بعد ذلك من توظيف موهبتي أم كلثوم وعبد الحليم حافظ للنهوض بالمد القومي في العالم العربي. لكن وسط هذا الزخم ظهر الثنائي الشاعر أحمد فؤاد نجم والملحن المغني الشيخ إمام بكلمات شعبية لاذعة ولحن بسيط ليقدما الأغنية السياسية الشعبية النافذة، ولقيت القبول العريض والانتشار الواسع، وأثرت على صعود نجم زياد الرحباني في لبنان، الذي قدم هو الآخر مجموعة ثرية من المعزوفات والأغاني السياسية، واعترف بتأثره الكبير بنجم وإمام.

ولم يتوقف التأثير هنا، بل وصل إلى السودان، الذي خرج فيه محمد وردي بأغانٍ لاذعة لم يطقها النظام، فهاجر مجبراً إلى أميركا، لكن هجرته هذه لم تمنع أغانيه من الانتشار الكبير. وحتى المغرب كانت له حصته من انتشار الأغنية السياسية عن طريق النجاح العريض لأغاني الفريقين «الناس الغيوان» و«الجيلالة».




وفي الخليج العربي هناك الخط الذي تبناه المطرب البحريني خالد الشيخ، وأخذ الخط العروبي، ووثق ذلك الكاتب أحمد الواصل في كتاب ممتع. وفي الخط ذاته قام المطرب التونسي لطفي بوشناق بتبنيه الخط العروبي.

هذه الحالة ليست حالة عربية حصرياً، بل هي عالمية، ولعل المثال الأبرز ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية من منع وترحيب للموسيقيين بحسب تصنيفهم مع النازيين أو ضدهم. فعندما قدم هيربرت فون كارايان (الذي يعتبر أهم قائد أوركسترا سيمفوني في العصر الحديث) وهو نمساوي وعضو سابق في الحزب النازي، جاء ليقود أوركسترا برلين السيمفوني في نيويورك في عام 1955، قوبل بموجات من المظاهرات الاجتماعية التي ترفض حضوره. وكانت قاعات وصالات الموسيقى الكبرى ترفض موسيقى كل من فاغنر وشتراوس اللذين كانا مفضلين عند أدولف هتلر، وترحب بموسيقى بتهوفن.

جوناثان رودنبرغ الكاتب الأميركي أصدر كتاباً ممتعاً مؤخراً بعنوان «ألحان خطرة» يحكي فيها بأسلوب مشوق وممتع عن أهم المواقف التي تصادمت فيها الموسيقى الكلاسيكية مع السياسة، وكيف كان الثمن يدفع بحسب الموقف. وفي أميركا كان اضطهاد العبيد في الجنوب الأميركي سبباً أساسياً في ولادة موسيقي «البلوز» الحزينة، ذات البعد المأساوي، والتي كانت الملهمة لاحقاً لحركات الحقوق المدنية عبر ألحانها وكلماتها المؤثرة سياسياً.

الغناء والموسيقى أدوات للتعبير عن الرأي والحرية، وكم من أغنية كانت أهم من كتب ومقالات. سيخلد التاريخ الغنائي الشعبي شعبان عبد الرحيم بأنه «غنى» ضد التطبيع وعبّر عن رأي شعبي ورحل، وكذلك غنى عن ارتفاع سعر الطماطم (القوطة والبندورة) في أغنية اقتصادية لافتة. كما كان محمد منير عبقرياً عندما عبّر بجملة بسيطة عن مساحة الحرية «المتاحة» في الغناء عندما قال: «لسه الأغاني ممكنة».