الانتفاضة تستعيد زخم الثورة لهز النظام… رفع الحصار ومطلب حكومة إنقاذ مستقلة!

ابراهيم حيدر – النهار

هدأت الانتفاضة الشعبية اللبنانية لكنها لم تيأس. هي اليوم وبعد نحو 70 يوماً أمام تحدي الاستمرار والتأثير في مواجهة السلطة الفاسدة والنظام الشرس الذي تبدي طبقته السياسية تمنعاً لإحداث أي تغيير، وهي التي تسلمت السلطة على قاعدة المحاصصة منذ عقود، وأخذت لبنان الى ما يشبه الانهيار. يقاتل النظام بأشكال مختلفة وتملك قواه القدرات وهي تتسلح ببناها الطائفية فتستطيع استنفار العصبيات الطائفية واطلاق الغرائز في مواجهة بعضها ولمنع أي تغيير حقيقي في النظام، وإن كانت الانتفاضة عرّتها وأسقطت عنها تلك الهالة التي كانت تعزز نفوذها وكسرت الولاءات التي كانت تجر اللبنانيين الى فضائها بلا مساءلة ولا محاسبة.




طرحت التطورات في البلد بعد تكليف حسان دياب تشكيل الحكومة، تحديات على الانتفاضة في مواجهة الحملات الشرسة التي تستهدفها، ومنها التحريض المستمر ومحاولة تحميلها المسؤولية عما حل بالبلد من انهيار، وان كانت القوى السياسية والطائفية في مختلف مواقعها حاولت توظيف الانتفاضة لمصالحها وحساباتها، وكذلك محاولات الاختراق التي نجحت في بعض ساحاتها، والتحديات تتركز في شكل رئيسي على الاستمرار مستقلة عن كل حالات التطييف وأخذها الى أماكن ضيقة، بعدما تمكنت منذ 17 تشرين الأول الماضي من أن تكون ثورة عابرة للمذاهب والطوائف وشاملة كل المناطق، وهي الانتفاضة الوحيدة التي جمعت اللبنانيين من كل فئاتهم، فأربكت السلطة ونظام المحاصصة الطائفي الفاسد الذي لا يزال يتجاهل معاناة اللبنانيين ويستخف بإرادتهم ورغبتهم في التغيير.

الشوارع الطائفية والمذهبية لا علاقة لها بالانتفاضة، فهي أثرت سلباً على مسيرة اللبنانيين نحو التغيير وهي جزء من عدة النظام لمواجهة الثورة واختراقها. فالصراع الطائفي مهما تكن عناوينه لا يعبر عن إرادة اللبنانيين وطموحهم نحو التغيير، وهو يدرج ضمن تحسين مواقع الطوائف، بعدما انقسمت القوى السياسية في النظام حيث تمكن تحالف العهد و”حزب الله” والتيار الوطني الحر وحركة أمل من الإتيان بشخصية محسوبة عليها لرئاسة الحكومة، فيما خرج رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الى موقع معارض من ضمن تركيبة النظام. لذا الانتفاضة اليوم أمام تحدي اثبات قدرتها على الاستمرار والتأثير، وهي في هذا الصدد تعيد تنظيم صفوفها ومكوناتها المستقلة لتستعيد الزخم الذي حقق الكثير منذ 17 تشرين الأول. ولعل أكثر ما يعطي الانتفاضة زخماً للتجدد هو عجز النظام نفسه عن الإنقاذ ونقل البلد الى حالة الاستقرار، إذ ما الذي يمنع أن تعمل مؤسسات الدولة ويستمر الإنتاج إذا لم تكن المشكلة قائمة في إدارة الطبقة السياسية للبنان، وهذا يعني أن الانتفاضة ليست مسؤولة عما حل بالبلد طالما أن النظام لا يستطيع حتى تأليف حكومة بمشروع إنقاذي قادر على وقف الانهيار والإفلاس الذي يضرب العديد من المؤسسات.

ستنطلق الانتفاضة مجدداً بزخم أكبر، إذ لا خيار آخر أمام حالة العجز للسلطة، ووفق المعلومات أن مشاورات ومناقشات تدور بين العديد من مكونات الانتفاضة لوضع برنامج شامل يحدد خطوات التحركات المقبلة ما لم تتشكل حكومة إنقاذ مستقلة تنقل البلد الى حالة من الاستقرار، وتستعيد القدرة على الضغط والتأثير، وكذلك مواجهة حالات الاختراق التي وصلت الى الساحات، وإلى طموح البعض للمشاركة في الحكومة العتيدة.

ستكون تظاهرات الانتفاضة من جديد شاملة وعابرة للطوائف والمناطق، لكنها أكثر تركيزاً وقدرة على التأثير، وستبقى بلا قيادة معلنة تختصر مكوناتها، إذ أن اختيار قياديين من انتفاضة شاملة فيه الكثير من الاستسهال، وهي تستبدلها بالتنسيق لترجمة ضغط الشارع للوصول إلى مكتسبات سياسية حقيقية. فالقيادة تحتاج الى وقت والى تحقيق إنجازات، خصوصاً وأن قسماً كبيراً من اللبنانيين نزلوا إلى الشارع بعفوية ولا يريدون أقله راهناً أن يتحدث أحد باسمهم ولا انتخاب مندوبين عنهم، فالوقت كفيل بأن ينتج قيادة مستقبلية، بالتوازي مع مواجهة حصار السلطة قواها ومحاولات اختراقها المستمرة وحرفها عن مسارها.

يؤكد النظام اللبناني مجدداً فشله بنيوياً وعجزه. تستمر المحاصصة واقتسام السلطة وكأن شيئاً لم يحدث منذ 17 تشرين الأول، فيما الناس تعاني من الجوع والاختناق. هذا وحده يبرر للانتفاضة الاستمرار وجمع اللبنانيين حول مصالحهم الحقيقية خارج الطوائف وزواريبها.