رحيل رجل احترم العقل – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

انتقل محمد شحرور إلى رحمة الله، وكما في حياته كان مثيراً للجدل، كان الإعلان عن خبر وفاته يحمل النتيجة ذاتها. فالفصيل المتشدد بحقه أخذ بجزم كفره وإلحاده، وأنه هالك من أهل النار. لا جديد في طرحهم وأسلوب تعاطيهم مع من يأتي بفكر مختلف خارج «صندوقهم». هكذا فعلوا من قبل مع أبي حنيفة النعمان، ومع ابن حزم، ومع ابن عربي، ومع ابن رشد، ومع محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، ومع نصر حامد أبو زيد، مجرد أمثلة للحملات المقننة عليهم، التي قتلت بعضهم جسدياً ومعنوياً.

لقي فكر محمد شحرور «المختلف» قبولاً وانتشاراً لدى البعض، غير عاديين، لأنه احترم العقل، وخاطب الروح الإنسانية والكرامة البشرية، واعتمد على كتاب الله وعلى اللغة العربية بأصولها وقواعدها. قدم فهماً «آخر» لتعاليم الدين ومفهومه، وأطلق آراءه «الصادمة» بشجاعة وصلابة ورباطة جأش، مدعومة بالأدلة والبراهين القرآنية، مفسراً القرآن بالقرآن، ومعتمداً فقط على القرآن.




قضي محمد شحرور نحو نصف القرن من الزمان في مشروعه هذا، ووضع منهجية علمية دقيقة تعتمد بشكل رئيسي على ثلاثة عوامل مهمة؛ أولها هي عدم وجود الترادف في اللغة العربية، وعدم العبثية، وعدم وجود الحشوية في القرآن.

وإصرار الراحل محمد شحرور على عدم وجود الترادف في اللغة العربية، كان أحد أهم مفاتيح تفسيره المختلف، وهو أيضاً الذي قال إن العقل الترادفي هو من أهم سمات تدهور العقل العربي، لأنه لا يفرق بين «جاء» و«أتى»، و«والد» و«أب»، و«كتاب» و«قرآن»، وهذا في اعتقاده سبب أنه في خلال مائة عام من الزمن أنتج العقل العربي الآلاف من الشعراء وعدداً ضئيلاً جداً من العلماء.

بوفاته، أصبح نتاج فكره الغزير والمتوفر في كتب وحلقات تلفزيونية حوارية ومحاضرات وندوات موجودة على شبكة الإنترنت ومواقع للتحاور مع المئات من الآلاف الذين أعجبهم فكر الراحل، وكتبه التي تلقى الرواج وسط الناس، هي دليل القبول الكبير له. حُورب بشكل ممنهج، وقِيلت فيه أفظع الأوصاف وأبشع الكلمات، لكنه كان مترفعاً بأدب، وطلب دوماً أن يقارع بالحجة، وأن أقواله وآراءه هي كل ما يملك.

اليوم وبعد انتقال محمد شحرور إلى دار الحق، سيبدأ فكره بالانتشار مثله مثل غيره من الكبار الذين رحلوا وخرجوا من معادلة الانتشار، مثل فرانز كافكا في الأدب، وبيتهوفن في الموسيقى الكلاسيكية، وفنسنت فان غوخ في الفن التشكيلي، وغيرهم آخرين لم يلقوا الانتشار الواسع إلا بعد رحيلهم من الدنيا. محمد شحرور اجتهد وأبدع، أفنى حياته في تفسير كتاب الله بشكل يكرس فيه التسامح والرحمة، بعد أن تفشت القسوة والغلظة في تفاسير بعض أهل التراث، وكان طبيعياً جداً أن يخرج علينا أهل الإرهاب والتشدد والتنطع. نتيجة منتظرة ومتوقعة. يحسب للراحل أنه أقدم على منهجية تفسير تحترم العقل وتكرس الرحمة والتسامح، ويحسب له أنه احترم قدرات البشر التي أكرمها الله بالعقل والحكمة، ليتأكدوا بأنفسهم من صلاحية معجزة كتاب الله في كل زمان ومكان، وعدم حصر ذلك في إطار زمني مكاني واحد فقط.

رحم الله محمد شحرور، وكل الشكر والاحترام على ما تركه من علم يُنتفع به.