الأزمة العميقة للسنّية السياسية في لبنان

غسان الحجار – النهار

إذا كان الميثاق الوطني لعام 1943 قام بين المسيحيّين الموارنة من جهة، والمسلمين السنّة من جهة أخرى، فإن موازين القوى التي تبدّلت بفعل المُتغيِّرات، وتراجع دور دول الخليج العربي في لبنان، مع تقدّم الدور الإيراني، جعل من الشيعة اللبنانيّين الطرف الأقوى في زمن الطائف، بالاستناد الى هذا المحور الممتد من طهران وصولاً إلى بيروت، مروراً ببغداد ودمشق، وقوامه الشيعيّة السياسيّة المُتحالفة مع العلويّين، وقد فشلت في التحوّل إلى تحالف الأقليّات الذي حُكى عنه مراراً وتكراراً.




وعليه فإنّ قرار رئيس “التيّار الوطني الحر” العماد ميشال عون في العام 2006، بتوقيع “ورقة تفاهم” مع “حزب الله” لم يكن وليد ساعته، وإنما نتيجة قراءة سياسيّة مُعمّقة، هدفت إلى استعادة الموارنة بعضاً من دورهم التاريخي، تعاوناً مع الشيعة هذه المرّة، بعدما فقد الشريك السنّي فاعليّته الحقيقيّة، وأدّى ذلك إلى ضعف التركيبة اللبنانيّة عموماً، وهمّش معه دور المسيحيّين الذين عارضوا الوصاية السورية التي حكمت لبنان برعاية دوليّة وتواطؤ عربي ضمني ونيّات إيرانيّة مبيّتة.

والواقع أن “تفاهم مار مخايل” لم يستهدف السنّة، بل شكّل محاولة مارونيّة – مسيحيّة لاستعادة الدور والفاعليّة في التركيبة اللبنانيّة، لكنّه بطريقة أو بأخرى، بدا مُعادياً للآخرين، إذ إن كل تفاهم أو اتفاق ثنائي أو ثلاثي في بلد التوافق، يعدُّ اقصائياً للآخرين.

وإذا كان هذا التفاهم اعتُبر اتفاقاً مسيحيّاً – شيعيّاً، فإنّ جملة من التراكمات أودت بالسنيّة السياسيّة إلى ما آلت إليه أحوالها اليوم، وإلى نشوء حركة اعتراض واسعة صارت تُعبِّر عن نفسها في الشارع، فتخلّت الطائفة الشريك الأساسي في قيام الجمهوريّة، عن كونها الشريكة، لتتحوّل معارضة موسميّة للنظام في اتجاه التحوّل إلى حالة عداء معه.

فالسنيّة السياسيّة خرجت من الحرب مُحقِّقة انتصاراً وهميّاً في نصوص اتفاق الطائف يعوِّض “الخسارة” العسكريّة، إذ إن الطائفة السنيّة التي راهنت على منظمّة التحرير الفلسطينيّة مطلع الحرب، لم تتمكَّن من إنشاء ميليشياتها الخاصّة لتفرض إرادتها على الأرض. ورأت في بروز الرئيس رفيق الحريري، بما مَلَكَ من قوّة سياسيّة واقتصاديّة، استعادة للدور للمحافظة على التوازنات، لكن الحلم سرعان ما تبدّد مع اغتياله ودخول البلد، ومعه الطائفة، في دوّامة من التطوُّرات الدراماتيكيّة، لم تكتفِِ بمحاولة اغتيال الحريريّة السياسيّة في عزّ وهجها، بل إن العداء مع النظام العلوي في سوريا، وسوء علاقة الأخيرة بدول الخليج، انعكسا سلباً على مجمل الحياة السياسيّة اللبنانيّة وتحديداً على السنّة في مناصرتهم الثورة السوريّة.

وأصابت النكبة الطائفة السنيّة بعد انقطاع المال الخليجي عنها، ما جعل مؤسّساتها الرعائيّة في عجز مستمرّ، وأدّى الانكفاء السعودي تحديداً إلى تراجع القوّة السياسيّة والانتخابيّة، وتفرُّق بعض العشّاق سواء من أهل السنّة، أو من حلفاء الطوائف الأخرى، بما ضاعف الشعور بالغبن.

أمّا استقالة الرئيس سعد الحريري مع عدم تكليفه مُجدّداً، ولو بقرار منه، فاستنفرت الشارع السنّي الذي شعر بأنّه مستهدَف، وأن الانتفاضة اقتصرت على إقالة الحكومة من دون المُتربِّعين في المواقع الأخرى.

هكذا تعيش السنيّة السياسيّة سلسلة إخفاقات بسبب غياب الراعي الإقليمي، وغياب الرؤية الداخليّة، وبدل صوغ مشروع جديد، تلجأ، في الوقت الضائع، إلى الشارع.