هدوء هيل قبل العاصفة: حذارِ من حكومة إيرانية وتحذير لباسيل!

أحمد عياش – النهار

يسود اقتناع في الأوساط السياسية التي تتابع من كثب مصير التجربة التي يخوضها الرئيس المكلف حسان دياب، بأن الأخير الذي اجتاز عتبة التكليف بدفع من فريق الرئاسة الاولى، وبمؤازرة من “حزب الله”، هو اليوم أمام تحدي التأليف الذي يتخطى النطاق الداخلي إلى النطاق الدولي. فهل ينجح الرئيس دياب بما عجز عنه الرئيس سعد #الحريري في تشكيل حكومة #تكنوقراط بالكامل، أي الحكومة التي نادت ثورة 17 تشرين الأول بتأليفها؟




في معلومات لـ “النهار” من أوساط نيابية بارزة، أن هناك قناعة تامة بأن هناك شروطاً توافرت في دياب، منحته فرصة التكليف أهمها أن رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، وجد في شخصية دياب، ضالته المنشودة التي تتمثل بتوفير مخرج لباسيل كي يبتعد عن المشاركة في الحكومة المقبلة في موازاة ابتعاد الحريري عنها. وقد لقي باسيل في اختياره دياب دعماً من “حزب الله” لأسباب متعددة، بينها ما يتصل بالحفاظ على علاقات الحزب العميقة مع رئيس الجمهورية ميشال عون، وبينها أيضاً علاقات جيدة بين الحزب والرئيس المكلف عندما كان الاخير وزيراً للتربية في حكومة ميقاتي، لا سيما دور دياب في منح الحزب ترخيصاً في إنشاء جامعة “المعارف”. في المقابل، ووفق الأوساط نفسها، لم يكن رئيس مجلس النواب نبيه بري مؤيداً لتنحي الحريري على رغم المبررات التي تفيد ان الاخير آثر الابتعاد بعد موقف “القوات اللبنانية” الرافض لتسميته في الاستشارات التي كانت مقررة الاثنين الماضي. ومن خيارات بري، بعدما عجز عن إقناع الحريري بالتراجع عن عزوفه، الذهاب الى تسمية الرئيس تمام سلام الذي رفض بدوره التجاوب مع دعوة رئيس مجلس النواب.

في تقدير الاوساط نفسها، أن “حزب الله” الذي شكّل الرافعة الأساسية للتكليف، سيكون امام مهمة ان يكون الرافعة للتأليف، شكلاً ومضموناً، فيرضى بأن يتنازل عن المشاركة في الحكومة المقبلة، بما يمنح دياب فرصة الإتيان بتشكيلة تكنوقراط تستجيب لمطلب الثورة، فهل سيواصل الحزب دعمه لدياب حتى النهاية؟ كما أن باسيل الذي ربح معادلة خروجه والحريري معاً، فهل سيحرر دياب من تلبية طلبات رئيس “التيار الوطني الحر” بشأن الوزراء المسيحيين في التشكيلة الجديدة؟

وتخلص هذه الاوساط الى القول إن ثمة احتمالاً ان ينال الرئيس المكلف التسهيلات من “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، على رغم ما يتردد أن باسيل بدأ يسعى الى اقتراح توزير مجموعة من التكنوقراط في الحكومة العتيدة، من بينهم الوزيرة المستقيلة ندى البستاني. لكن ما زالت هناك شكوك في أن تطل شروط لن يكن بمقدور الرئيس المكلف تفاديها ما يضعه امام تحد حيال اللبنانيين الذين ما زالت أكثريتهم غير متحمسة لتكليفه.

وسط هذه التحولات في المشهد الحكومي أطل مساعد وزير الخارجية الاميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل على لبنان، فأجرى محادثات واسعة رسمية وسياسية تميزت بـ “التهدئة وعدم التدخل” وفق مصادر واكبت هذه المحادثات. وهذا التوجه الاميركي أحبط الحملة التي شنّها “حزب الله” على الديبلوماسي الاميركي قبل وصول الأخير الى بيروت وقول الحزب إن هيل جاء للتدخل في الازمة الحكومية.

ماذا في معطيات هذه المصادر حول ما حمله هيل الى مضيفيه اللبنانيين؟ تقول هذه المصادر لـ “النهار” إن واشنطن تعتبر نفسها غير معنية بمن سيشكل الحكومة (هيل لم يلتق الرئيس المكلف كما لم يذكر اسمه مرة في لقاءاته)، بل ما يعنيها هو ان تلبي الحكومة الجديدة تطلعات “المحتجين” منذ 17 تشرين الاول الماضي. فإذا ما تحققت هذه التطلعات، فهناك فرصة لكي يحظى لبنان بدعم ثلاثي: أميركي، اوروبي وعربي خليجي. أما إذا لم تتحقق هذه التطلعات، فمعنى ذلك ان التوجه الايراني الذي يمثله “حزب الله” سيظل غالباً وعندئذ سيتحمل لبنان تبعات هذا التوجه الذي سيدفع بلبنان الى قعر الازمة المالية.

وتضيف هذه المصادر بشأن الدعم الثلاثي المشار اليه، فقالت إن باريس التي استنفرت جهودها بعد استقالة الحريري في 29 تشرين الاول الماضي تحسباً لتدهور محتمل في الاوضاع الاقتصادية والمالية بلبنان، لقيت تجاوباً من واشنطن فكان هناك اللقاء الذي استضافته سلطنة عمان بمشاركة اميركية (هيل كان ممثلاً لبلاده) وأوروبية وسعودية عبر وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير وإماراتية من خلال وزير الخارجية عبدالله بن زايد ووزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش. وفي المحادثات، جرى تقسيم الادوار بأن تكون المساهمة العاجلة لإنقاذ الواقع النقدي في لبنان عبر البنك الاوروبي للتنمية الذي يقدم قروضاً وصندوق النقد الدولي (بشروطه المعروفة بفرض ضريبة على البنزين وزيادة الـ TVA) على أن يتواصل الدعم الاميركي لمؤسستي الجيش وقوى الامن الداخلي، أما الاتكال الرئيسي فسيكون على الدعم الخليجي، وتحديداً السعودي. لكن الرياض التي كانت تتابع ما يدور في لبنان، لم يرق لها استمرار خطوط الاتصال التي بقيت مفتوحة بين الحريري والثنائي الشيعي، وتحديداً “حزب الله”، عبر اللقاءات المتكررة في بيت الوسط مع الخليلين (الوزير علي حسن خليل والمستشار السياسي للامين العام لـ “حزب الله” حسين الخليل) ، فآثرت الانكفاء عن مساعي الدعم في الوقت الحاضر.

ما ميّز محادثات هيل أيضاً، ما يتعلق بلقائه الثنائي مع الوزير باسيل. وأشارت الى أن الديبلوماسي الاميركي نقل موقفاً متشدداً من وزارته الى رئيس “التيار الوطني الحر” الذي “تجاوز الخط الاحمر” في ممارساته الرسمية، في إشارة الى دفاعه عن “حزب الله” في المحافل الخارجية.

كما ميّز هذه المحادثات انها لم تتطرق الى ملف النفط في منطقة الحدود الجنوبية، لأن هذا الملف هو من صلاحيات مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى ديفيد شنكر، كما انه ليست هناك حاليا من مستجدات في هذا المجال لكي تتابعه الادارة الاميركية.

ما لفت شخصية سياسية بارزة اجتمعت مع هيل ان الأخير قال إنه أتى الى لبنان بعد جولة قادته الى السودان وأريتريا والصومال حيث يتحقق “تحسن” في أوضاع تلك البلدان، متمنياً مع ابتسامة أن يكون هناك “تحسن” في لبنان أيضاً.

هناك من أبدى الاهتمام بتوقيت زيارة الديبلوماسي الاميركي للبنان. فهو، بما يتميّز بهدوء يمثل نقيضاً لزميله شنكر المعروف بصراحته الشديدة، ما ترك بصماته على المشهد الداخلي. لكن خبيراً بارزاً في الشؤون الديبلوماسية الاميركية دعا عبر “النهار” الى عدم الاسترسال في تحليل شخصية هيل. وقال إن “هدوء الأخير لا يعني ان لا عاصفة في الافق، إذا لم يحسن المسؤولون قراءة التحولات في لبنان والمنطقة”.