//Put this in the section

هل أخطأ الحريري بعدم التسمية فأعطى ”الحزب” حكومته؟

سابين عويس – النهار

رغم ان صفحة التكليف طُويت على مضض سنّي خصوصا، وشعبي على شكل أوسع، وبدأ مسار التأليف، الذي وعد الرئيس المكلف بان يكون سريعا، فإن الملابسات التي رافقت تسمية حسان دياب لترؤس الحكومة العتيدة، ومواقف الكتل المعترضة على تلك التسمية لا تزال تتفاعل في الوسط السياسي، انطلاقا من المراجعة التي بدأتها القوى السياسية، والقراءة لما سترتبه على الحياة السياسية في لبنان في المرحلة المقبلة، خصوصا ان المسار الذي سلكته الامور، فرض عملية تموضع جديدة لا بد ان تترك آثارها على البلاد وعلى العمل السياسي فيه مستقبلا.




في المراجعة الحاصلة، ثمة من يطرح سؤالا عما اذا كان زعيم “المستقبل” سعد الحريري أخطأ أو اصاب في انسحابه من السباق الى السرايا، او في عدم لجوئه الى تسمية شخصية تلقى قبول “المستقبل”. ومن هؤلاء من لم يفهم سبب تراجع الحريري الذي فُسر على انه عدم رغبة في استفزاز العهد او “حزب الله”، باعتبار ان عدم التسمية وان لم يؤمن الميثاقية السنية لدياب، وهو عمليا ما سعى اليه “المستقبل” في خطوته تلك، والى جانبه نواب سنّة مستقلون في مقدمهم رئيسا حكومة سابقان هما الرئيسان نجيب ميقاتي وتمام سلام، فُهم من الفريق الآخر انه يصب في اطار عدم الممانعة على اسم دياب.

فهل هذا فعلا ما قصده الحريري والى جانبه ميقاتي وسلام، ومن ورائهم دار الفتوى التي تمتنع حتى الساعة عن تحديد موعد للرئيس المكلف، في رسالة واضحة عن عدم رضى الدار، ليس على دياب تحديدا، وانما على الآلية التي تمت فيها التسمية والفريق الذي تبناها وسار فيها؟

بالعودة الى الساعات القليلة التي سبقت التكليف، تؤكد مصادر سياسية ان الحريري كان رافضا تسمية اي مرشح، تداركا لخوض معركة غير مضمونة الفوز، وقد تكون خاسرة، في ظل عدم وثوقه بالحلفاء، خصوصا بعدما أعلنت “القوات اللبنانية” قرار الفجر بالامتناع عن التسمية.

وتكشف المصادر انه لو سمى الحريري السفير نواف سلام او اي شخصية غير مستفزة، لكان حظي باصوات كافية للتكليف، خصوصا ان رئيس المجلس نبيه بري التزم السير مع الحريري بأي اسم يقترحه، ولا سيما سلام.

ليست العودة الى فهم ملابسات التكليف وحيثياته الا مقدمة لقراءة ما ترتبه من ثمن على القوى التي ستكون خارج جنة الحكم في المرحلة المقبلة، وفي مقدمها الحريري نفسه وتياره السياسي.

وينسحب السؤال على القوى الاخرى مثل “القوات اللبنانية” والحزب التقدمي الاشتراكي، وذلك لاستشراف ما اذا كان خروج هذه القوى التي شكلت في ما مضى العمود الفقري لتحالف الرابع عشر من آذار، قبل ان يسقط تحت ضربات أركانه، سيؤدي مستقبلا الى اعادة احياء هذا التحالف، وانما ضمن محور المعارضة؟

مصادر سياسية مطلعة طرحت في اطار قراءتها للمشهد الجديد المرتسم مجموعة من التساؤلات، يمكن وضعها في اطار الخلاصات الآتية:

■ أي تصنيف سيصح على حكومة دياب، التي يرفض “حزب الله” اعتبارها حكومته، ويصر على تكون من المستقلين والاختصاصيين، فيما يصر رئيس “امل” على ان تكون جامعة لكل المكونات السياسية، علما انه للمفارقة، ارتضى الحزب صفة التكنوقراط لحكومة دياب، في حين رفضها للحريري، رغم إعلانه الدائم تمسكه به وحرصه على بقائه شريكا له في الحكم.

■ ستكون حكومة دياب حكومة العهد الثالثة، من خارج التسوية السياسية المبرمة بين سيد العهد ووزير خارجيته ورئيس الحكومة المستقيل. وهي التسوية التي قضت بأن يتعهد الحريري انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية مقابل تسمية عون وتياره البرتقالي الحريري رئيسا لكل حكومات العهد على مدى الولاية الرئاسية. وهذا يعني عمليا ان كل احتمالات ترميم تلك التسوية سقطت، واستحالت بتكليف دياب العودة الى الوراء، الذي اصبح واقعيا وراء العهد ورجاله.

■ على روعة الوعود البراقة التي أطلقها الرئيس المكلف بعد يوم الاستشارات النيابية غير الملزمة في البرلمان السبت الماضي، وفيها وعد بحكومة مستقلين لونها الواحد هو لون اللبنانيين فيها، ووعده بانتخابات نيابية مبكرة تعيد انتاج السلطة التي يطمح اليها الحراك الشعبي، وهي وعود “تلمّع” صورة الرجل الآتي من تجربة وزارية مضى عليها عقد من الزمن، فيما غاب فيها عن اي ممارسة للعمل السياسي او الشأن العام خلال هذه الفترة، فإن السؤال المطروح في اوساط المراقبين هو: كيف لحكومته ان تكون جامعة في غياب مكونات اساسية لها وزنها النيابي، وكيف لها ان تكون مستقلة وبوجوه تكنوقراط طالما يسميهم فريق واحد من خارج التركيبة الائتلافية التي حكمت الحياة السياسية في لبنان منذ العام 2005، تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانقسام البلاد بين اصطفافين أساسيين، لا يزالان بقصد او بغير قصد يحكمان التوازن السياسي فيه؟

■ ماذا بعد التسوية الجديدة التي أطاحت التسوية الرئاسية، وأين سيكون الحريري وهو خارج الحكم، وماذا سترتب على خروج مكون طائفي أساسي في البلاد هو المكون السني، وهل اخراج العهد والحزب الحريري، جاء نتيجة نسج هذا الثنائي تسوية جديدة لم يكن الحريري في عِداد مهندسيها، وهل يمكن القول ان هذا الثنائي استطاع نسج التسوية الجديدة بغطاء إقليمي ودولي، غير ممانع لخروج الحريري من السلطة، اذا كان ثمن هذا الخروج قيام حكومة التكنوقراط التي ينادي بها المجتمع الدولي؟

■ حتى الآن، ورغم الرسائل المباشرة التي وجهها مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد هيل خلال زيارته الاخيرة لبيروت، تعتقد المصادر السياسية عينها انه لا يزال من المبكر فهم بنود التسوية الجديدة التي استبدلت الحريري بدياب، مشيرة الى ان المعيار الحقيقي في إنضاج بنودها التي يترافق مسارها مع مسار التفاوض الاميركي – الايراني، يبقى رهن التشكيلة الحكومية بشكلها وأعضائها وبيانها الوزاري، لكي يبنى على الشيء مقتضاه.