عقل العويط - النهار

رسالة صريحة جدًّا إلى المستوزِرات والمستوزرين من ”أهل الثورة” – عقل العويط – النهار

سيجتمع رئيس الحكومة المكلّف بمستقلّين كُثُر. واختصاصيّين كُثُر. أرجّح أنّه سيفعل ذلك سرًّا وعلنًا، إنْ لم يكن قد باشر القيام بذلك.

شخصيًّا، أشجّعه على أنْ ينبري إلى فعل ذلك بشفافيّةٍ مطلقةٍ، لا وفق الطريقة “السحريّة” المستهجَنة التي جاءت به رئيسًا مكلّفًا.




مرّةً ثانيّة، أصف تلك الطريقة بأنّها مريبة، ملتبسة، غامضة، كواليسيّة، دهليزيّة، ليليّة، وإسقاطيّة.

بل يحقّ لي أنْ أصف طريقة “استدعائه” هذه، بأنّها تؤذي المواطن، وتنال من كرامته المواطنيّة، ومن حقوقه البديهيّة في معرفة مَن يكون هذا الرجل “المستدعى” إلى القصر الجمهوريّ، ولماذا استُدعِي هو بالذات، عشيّة الاستشارات الملزمة، وفي الليلة الليلاء التي سبقتها، وأيّ ملكاتٍ ومواهبَ وطاقاتٍ وقدراتٍ وإمكاناتٍ وخبراتٍ سياسيّةٍ ووطنيّةٍ واقتصاديّةٍ وماليّةٍ ومعيشيّةٍ واجتماعيّةٍ – استثنائيّة – تجعله “فلتة الشوط”، أو الشخص المنقذ، أو “البدر”، حين، على قول الشاعر، “في الليلة الظلماء يُفتقَد البدر”.

بصرف النظر عن الاحترام الواجب لشخصه ولحقّه في أنْ يطمح إلى المركز الذي يريده، وبصرف النظر عن الاحترام الواجب لكلّ شخص، إنّ الطريقة “الإنزاليّة” هذه التي جيء به فيها، تؤذي المواطن في وجدانه الوطنيّ، وتهينه، وتتطاول عليه، وتدعس على قدمه، باعتباره معنيًّا بهذه المسألة الوطنيّة البالغة الخطورة، وباعتباره شخصًا “غير غبيّ”، وأيضًا باعتباره مواطنًا ثائرًا متمرّدًا على هذه الطبقة السياسيّة الفاسدة والعديمة الأخلاق التي تُواصل – عبر هذه الطريقة – ممارستها المشؤومة.

هذه الطريقة تؤذي الثوّار – المنتفضين، كلّ الثوّار – المنتفضين. وهي تؤذي مبدأ الثورة – الانفتاضة، بل تستخفّ بكلّ أيّامها ولياليها، وأوجاعها وأحلامها، وتزدريها، وتحتقرها، وتدير لها الظهر.

هذه الطريقة التي يمارسها “العهد” ومَن معه من الأطراف السياسيّين، وفي مقدّمهم “التيّار الوطني الحرّ” وحركة “أمل” و”حزب الله” وتيّار “المردة” و”الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ” و”اللقاء التشاوريّ” وسائر مَن ينتمي إلى هؤلاء، تقول لأهل الثورة – الانتفاضة: أنا أستطيع آن آتي برئيسٍ مكلّف، اختصاصيّ (ماذا تعني هذه الكلمة؟!)، من المجهول، من شبه العدم السياسيّ والوطنيّ، من اللاشيء، وبالكيفيّة والآليّة اللتين تؤمّنان لي استمراري، وتمنعان وضعي عند حدّي، أو إحالتي على المحاسبة والمحاكمة، في حال نجاح الثورة – الانتفاضة.

إنّ هذه الطريقة أقرب ما تكون إلى الأفعال التي تتّسم بها الأنظمة الديكتاتوريّة، والإنقلابيّة، وتؤكّد بما لا يرقى إليه شكٌّ أن “متعهّد” هذه الطريقة “نائمٌ على حرير” أنّ “الاستدعاء” هذا، سيؤتي ثماره الطيّبة، رئيسًا وأعضاء.

يحقّ لي أنْ أصف طريقة “ظهور” الرئيس المكلّف، بأنّها أقرب ما تكون إلى الأفعال العجائبيّة والإعجازية.

إنّما وصفي هذا، يندرج – فحسب – في باب استهجان هذا العجب الإعجازيّ العجاب. وهو ليس من العجائب التي تجعل مجترحيها في عداد القدّيسين. كلّا.

ربّما العكس.

رجلٌ أكاديميٌّ متخصِّصٌ، يعلّم في جامعةٍ مرموقةٍ للغاية، وله مركزه المشتهى فيها، فجأةً، بدون سابق إشهارٍ، أو تحضيرٍ، بل بدون سابق خبرةٍ وطنيّةٍ – سياسيّةٍ مشهودٍ لها، أو مثيرةٍ للإعجاب والانتباه، “يُستدعى” لإنقاذ لبنان من خرابه الأبوكاليبتيّ!

آخذًا في الاعتبار، بالتأكيد، أنّه عمل وزيرًا للتربية في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من 13 حزيران 2011 إلى 22 آذار 2014.

تاركًا للوثائق، ولأهل الاختصاص التربويّين، أنْ يتباروا في غربلة تجربته الوزاريّة، وإنجازاته فيها، شكلًا ومضمونًا.

“شيءٌ” آخر لفتني جدًّا في شخصيّة الرئيس المكلّف: نبرته الهادئة، الرصينة، غير المتردّدة، الواثقة جدًّا، التي تنبئ بأنّه لن يتراجع أمام المشقّات والصعوبات.

وبأنّه “لن يعتذر”.

الانتهازي بريشة جايسون مارانتو.

نبرته الواثقة هذه، تثير إعجابي الشخصيّ حقًّا. وهي أكثر ما تجلّت في تأكيده أنّه “مستقلّ”، وأنّه سيأتي بوزراء مستقلّين.

علمًا أنّ الذين أتوا به، يتنافسون – قصدًا – في الإدلاء بتصريحاتٍ تؤكّد أنّهم سيشاركون في الحكومة.

إنّه واثقٌ جدًّا من ذاته. وهذا مدعاةٌ للتنويه.

وهو يتطلّع بثقة، على ما تناهى إليَّ، إلى الاجتماع بأهل الثورة (قد يكون مجتمعًا ببعضهم الآن، إنْ لم يكن قد اجتمع قبلًا)، وخصوصًا منهنّ ومنهم المستقلّات والمستقلّين اللواتي والذين يرغبون في الانضمام إلى فريق عمله الخلاصيّ والإنقاذيّ الوطنيّ.

رسالتي صريحةٌ جدًّا إلى هؤلاء: مَن “يصل” بهذه الطريقة، بين ليلةٍ وضحاها، بل قبل الضحى، إلى أن يصبح دولة الرئيس المكلّف، سيكون مضطرًّا لتقديم “الأتاوة” (أو فروض الطاعة) إلى الذين جاؤوا به.

لا يليق بأحدٍ منكنّ ومنكم أنْ يقدّم “أتاوة” كهذه إلى وليّ نعمةٍ، مرئيٍّ أو غير مرئيٍّ، ينثر أمامكم فتات الخبز المسموم.

لبنان – الثورة – الانتفاضة، هو وحده وليّ نعمتكم الوطنيّة اللبنانيّة.

إيّاكم أنْ تزلّ بكم الأقدام و… الأضغاث.

لن تكونوا أفضل من متسلّقين وانتهازيّين سابقين ولاحقين.

الثورة مستمرّة.