لُغز عدم تسمية نوّاف سلام

مجد بو مجاهد – النهار

السفير نواف سلام، الأستاذ الجامعي ورجل القانون والديبلوماسي اللبناني، كان من بين الأسماء المهمة في فلك استطلاعات أجريت عفوياً في صفحات غنيّة تتبنى شعارات الانتفاضة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر استفتاءات أجرتها وسائل اعلام بارزة في البلاد. وتنافس هذا الإسم افتراضياً مع شخصيات أخرى التمعت صورتها أيضاً، يذكر منها الشاب اللبناني راند غياض من شبعا الجنوبية، الذي دأب على درس الأزمة المالية التي كانت هزّت العالم انطلاقاً من الولايات المتحدة باحثاً عن حلول للبطالة وتوسيع أسواق العمل. ليس المقصود من تعداد أمثلة بارزة من هذا النوع، حصر خيار التسمية المفتوحة على حدود الوطن، ولا القول بأن “الشعب يريد رئيس حكومة أميركي الهوى”، وهو أصلاً شعار لا يمكن صبغ هذه الشخصيات به، على عكس”الفيتو” الضمني الذي وضعه “حزب الله” على نواف سلام، وعادت أصوات من بيئته الشعبية – وربما من باب “الحرقصة” – لتروّج أن رئيس الحكومة المكلّف حسّان دياب، آتٍ من كنف الجامعة الأميركية في بيروت، خلافاً للصحافة العالمية التي رأت في دياب مرشّح “حزب الله”، وخلافاً ايضا لعصف صرخات المنتفضين وأسباب انتقاداتهم له، والتي عرّته رافضةً ارتداءه معطف الانتفاضة.




نقلُ المراقبين لهذه الوقائع، ينتج منه طرح اشكالية أساسيّة: لماذا لم يتبنَّ “تيار المستقبل” و”القوات اللبنانية” تسمية سلام، على غرار ما كان اعتبر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في تغريدة كُتبت كالآتي: “أن تختار قوى 8 آذار مرشحها وتنجح هذا ليس بغريب، فهم على الأقل لديهم مشروع. لكن ان تخذل قوى المستقبل المتسترة بالتكنوقراطية وكأنهم خريجو Silicon Valley، ان تخذل نواف سلام خوفا من التغيير، فهذا يدل على عقمها وإفلاسها. كنا أقلية وسنبقى وكم الأمر اريح. قال احدهم: قل كلمتك وأمشِ”.

وفق مقاربة “تيار المستقبل”، لم يكن سلام ليحصل على الأكثرية أوّلاً، ولا يريد الرئيس سعد الحريري الدخول في مواجهة خاسرة ثانياً. ولا يغيب عن المشهد، المشاورات التي كانت قائمة مع الرئيس نبيه بري والتي أدّت الى نتيجة مماثلة، علماً أن الحريري كان أوّل من طرح إسم سلام لكنّه قوبل بالرفض الكامل من “الثنائي”.

وفي المعلومات أيضاً، ان اختيار حسان دياب لم يأتِ نتيجة توافقٍ بين بري والحريري، بل ولِد من طرح “باسيليّ”، وفق تأكيد قيادي “مستقبلي” بارز الذي يروي “معلومات جازمة”، مفادها أن “بري والحريري كانا توافقا الأحد الماضي على أن يتجه الحريري الى تأليف حكومة اختصاصيين خالية من حزب الله ومن التيار الوطني الحرّ، وأن بري كان وعد بدعم هذا الخيار، لكنّ الحريري لم يستطع تأمين أصوات القوات فاعتبر أن تكليفه فاقدٌ للميثاقية، ولو أنّه حصل على غطاء مسيحي لكان خاض مغامرة التأليف”.

أمّا في موقف معراب الذي استقته “النهار”، فإن “القوات” كانت أعلنت فجر الاثنين خيارها بعدم تسمية الحريري، رابطةً الثقة بالتأليف وليس بالتكليف لأنها تعتبر أن العنوان الخلافي لا يكمن في الشخصية التي ستتولّى رئاسة الحكومة، إنما في طبيعتها أكانت حكومة اختصاصيين مستقلّين أم حكومة تكنو-سياسية أم حكومة اختصاصيين ميثاقية. وتكليف الحريري كانت تشوبه شكوك من تنازلات من قبله نتيجة الضغوط السياسية، وعدم تسميته نتجت، وفق المصادر، من رأي عام “كاسح” على مستوى الداخل “القواتي” رفض ذلك نتيجة التناقض بين الحزبين خلال السنوات الثلاث السابقة.

أما عدم تسمية سلام، في خميس الاستشارات، فهو باعتبار أن “المعبر الى رئاسة الحكومة يجب أن يكون بديهياً من خلال البيئة السنية والغالبية النيابية السنية وعلى رأسها ثلاثية الرؤساء سعد الحريري ونجيب ميقاتي وتمام سلام، الذين لم يسمّوا نواف سلام وتالياً لا يمكن القوات أن تسميه، وإلا فإنها بهذه الطريقة تفرض على الطائفة السنية رئيساً للحكومة. فموقع رئاسة الحكومة ميثاقي ويجب أن تصدر التسمية فيه من قبل المكوّن الخاص به. وبما أن تسمية سلام لم تأتِ من الغالبية السنية، فلا يمكن القوات أن تبادر الى تسميته وكأنها تفرضه في منصبه أو توجّه الرسائل عبر موقع الرئاسة الثالثة”.

وتؤكّد “القوات” أن “البلاد لا تخوض مرحلة انقسام 8 و14 آذار بل إنها تمرّ بأزمة اقتصادية خانقة وغير مسبوقة، ولا بدّ من معرفة الجهة القادرة على اخراج لبنان من الأزمة، والتي تكمن عبر حكومة اختصاصيين مستقلين”.

مسار التأليف الحاليّ لا يطمئن “القوات”، التي ترى أنه “في لحظة الأزمة المالية، وبدلاً من أن يكون هناك اجماع وطني وسياسي وشعبي لمنح الحكومة الغطاء والصلاحيات، تذهب البلاد الى تشكيل حكومة من لون سياسي واحد في وجه لون سياسي آخر وفي وجه الناس المنتفضة والساعية الى حكومة بعيدة من القوى السياسية بدلاً من أن يشكّل لون سياسي واحد حاضنة للحكومة ويتمّ تغليفها باختصاصيين”. وبعبارة أخرى، إنها “حكومة اللون الواحد وهي خارج الزمان والمرحلة، ولا تستطيع أن تحكم وهي محكومة بالفشل منذ اللحظة الأولى، اذا ما ولدت”، وفق “القوات”.

الزمان الآخر في رأي “القوات”، هو تحدٍّ قائم على انقاذ اللبنانيين من الفقر والجوع والدولة المنكوبة. وتعتبر المصادر أن “العهد يتحمّل مسؤولية الافلاس في زمانه، واذا كان قادراً على اخراج البلاد من الوضع القائم فليتحمّل المسؤولية، ذلك أن القوات ليست مستعدة للمشاركة في الافلاس والنكبة بعدما قدّمت ترياق حكومة التكنوقراط المستقلة”.

وفي الخلاصة، تشدّد “القوات” على أن “أي حكومة خارج نطاق الاختصاصيين المستقلين تعني مزيداً من الانزلاق نحو الانهيار الشامل”.