دياب صنيع باسيل.. إهانة للبنانيين واستفزازاً للمجتمع الدولي

منير الربيع – المدن

ليس تكليف حسان دياب بتشكيل الحكومة إلا إهانة جديدة لكل اللبنانيين، بمختلف مكوناتهم، بعيداً عن أي حساب سياسي. فالرجل استُدعي للتفاوض في الغرف المغلقة، بعيداً عن تطلعات الناس وطروحاتهم، هذا بالحد الأدنى. وهو نتاج لتخبط القوى السياسية فيما بينها. فيأتي في لحظة انعدام المسؤولية وتقاذف كرتها، وسعي كل طرف لتحصيل مكاسبه. اللامسؤولية هذه أفلتت الأمور من أيدي السياسيين، فتفلّت حسان دياب رئيساً مكلفاً بتشكيل الحكومة. وهو ليس إلا صورة مماثلة للمهندس سمير الخطيب، الذي تمكنت القوى السياسية كتيار المستقبل وآخرون من إسقاطه في اللحظة الأخيرة. لكن مع اصرار حزب الله ورئيس الجمهورية وجبران باسيل، لم تتمكن”الميثاقية السنّية” من إسقاط دياب.




زهو باسيل وتحفظ برّي
طبعاً اسئلة كثيرة تدور حول ما الذي سيفعله حسان دياب؟ وهل سيشكل حكومة تكنوقراط أم تكنوسياسية؟ الواضح أن الرجل يستميت للحصول على لقب “دولة الرئيس”. ومن يدعمه يستعجل إجراء الاستشارات غير الملزمة، فيما الأسئلة تتنامى وتتزايد. ويبقى السؤال الحقيقي هو متى وكيف سيسقط حسان دياب، هل قبل التشكيل أم بعده. وهل يعتذر قبل تشكيل الحكومة؟ أم يقال بعد تشكيلها، تحت ضغط الشارع والسياسة والأزمات.

تتحفظ القوى الداعمة لحسان دياب عن أي إعلان صيغة ممكنة للحكومة، خوفاً من الحرق، بينما المعطيات تفيد بأنهم سيبدأون معه من حيث انتهت النماذج التي جرى الوصول إليها مع سمير الخطيب. أو بما عبر عنه الوزير جبران باسيل، الذي كان مزهواً وأكثر الفرحين بما جرى، وكأنه يقول للبنانيين إنه فعل ما أراد. لكن زهو باسيل بالتأكيد سيتبدد بالشارع وبرد فعل اللبنانيين. أولاً بسبب استفزازه، وثانياً بسبب تجاوزه للميثاقية وتحطيمها. وهذه بالتأكيد ستنقلب عليه لاحقاً. وأعلن باسيل انه يتمسك بتشكيل حكومة اختصاصيين، ما يعني عدم اشراك سياسيين فيها، على الرغم من اشتراك التيار الوطني الحر، ليكون باسيل مصادراً للحكومة ومصادراً للمعارضة أيضاً، ومستفزاً لبيئة الحريري أو الجمهور السني.

الرئيس نبيه برّي بدا الوحيد الذي يستشرف هذا الاستفزاز. فلأول مرة لم يعلن باسم كتلته من سمت في الاستشارات، بل أوكل المهمة للنائب ابراهيم عازار. وكأنه ترك موقفه لنفسه تحسباً لما قد يجري لاحقاً.

استفزاز الداخل والخارج
استفزاز السنة لن يكون بسيطاً في معادلة “الميثاقية” التي فرضها التيار الوطني الحر. لكن لها أهداف وخفايا أخرى تتعلق بضرب الانتفاضة، ومذهبتها، في استكمال لما شهدته بيروت من محاولات توتير مذهبية يومي الأحد والاثنين. وبالتالي، استفزاز السنة سيؤدي إلى استفزاز المسيحيين والشيعة ما يعود بنا إلى الصراع التقليدي ما قبل الانتفاضة.

بالتأكيد، ما جرى لا يمثل استفزازاً للبنانيين فحسب، بل للمجتمع الدولي، الذي سارعت مصادر ديبلوماسية إلى وصف ما جرى بأنه انتاج لحكومة حزب الله، أو بالحد الأدنى حكومة 8 آذار، وحكومة تعويم جبران باسيل المرفوض دولياً وعربياً. لدى بعض الدول وجهة نظرواضحة ضد هذه الحكومة. ويستوقفها ذهاب حزب الله إليها بينما كان يرفض حكومة اللون الواحد. وتعتبر أن الحزب استُدرج إليها بعد ضيق خياراته، وبعد طرح اسم نواف سلام. فسار الحزب في خيار باسيل، ولكن التأليف لن ينجز. وإذا أُنجز سيكون لبنان حتماً أمام تفجر للأزمات المتوالية.

بعض التوقعات تشير إلى أن الحزب يريد تجنب هذا الفخ. فخ تشكيل حكومة بلا غطاء سني وتسمى حكومته. لذا، هي لن تتشكل، خصوصاً أن هذا كان مطلب الصقور الأميركيين لتبرير استهداف الحزب ولبنان أكثر. حزب الله لا يريد المواجهة لا مع السنة، ولا مع المجتمع الدولي. يريد فقط الحفاظ على المعادلة السياسية التي يتحكم بها، وتمنحه الغطاء الرسمي والشرعي.

الميثاقية والمحاصصة
كل ما يجري، يهدف لتثبيت المعادلة التي تلائم حزب الله وتمسكه بالصيغة والنظام، بغض النظر عن الأشخاص، وبوصفه المدافع الأول عن هذا النظام، وارتباطه بمنظومة مصالحه. ولذلك، هو يريد إحياء الميثاقية بمفهوم المحاصصة، عبر تمثيل كل القوى المتمثلة بالمجلس النيابي، ويعمل على إدارة اللعبة من فوق، سياسياً واستراتيجياً. هذه اللعبة لا يمكن أن تستمر إلا باستثارة العصبيات، والتي تبدأ بالحديث عن الميثاقية، في مقابل هتافات “شيعة شيعة شيعة” التي هتفت إلى تحويل المعركة من مواجهة الشعب للسلطة، إلى معادلة أن الشيعة مستهدفين. ولم يكن هذا الخطاب يهدف إلا لأجل استفزاز الأطراف الأخرى.

ومن هنا تنبع معادلة الميثاقية. فوفق هذا المنطق والمنطق الذي سبقه لرئيس الجمهورية والتيار الوطني حول استعادة الصلاحيات وتمثيل الطرف المسيحي الأقوى، فسيخرج السنة إلى الاعتراض على حدث، لأن السنّة لم يتمثلوا بمن اختاروه، إنما القوى الأخرى هي التي اختارت دياب، وهو الأضعف في بيئته ولا يمثلها. وبالتالي، إعادة تجديد اللعبة الطائفية وأخذ الناس بالجملة، عبر حصر السنة بجهة معينة، وحصر الشيعة بالثنائي، وسطوة عون على المسيحيين. وبذلك يعود هؤلاء الأفرقاء للجلوس على طاولة المفاوضات باسم الطوائف. وفق منطق إنه لا يمكن اتخاذ أي قرار في لبنان من دون موافقة القوى السياسية التي تتمثل طائفياً، أي منح حق الفيتو للقوى الطائفية، فما لا يوافق عليه حزب الله، لا يمكن ان يمرّ طالما أن الشيعة لم يوافقوا عليه، وكذلك بالنسبة إلى السنة، أو المسيحيين.

وبلا شك أن حزب الله يحاول الاستفادة من هذه المعادلة، عبر إثارة مبدأ انتفاء الميثاقية السنية، فيريد أن يكسب بتعزيز الفيتو الطائفي لصالحه، بمجرد أن يعلن التعاطف مع الإرادة السنية، التي رفضت منح الغطاء لدياب، وبالتالي العودة إلى كلام نصر الله حول عدم السعي إلى تشكيل حكومة من لون واحد أو حكومة أكثرية حرصاً على الوحدة الوطنية. فيظهر حزب الله وحركة أمل بمظهر المتعاطفين مع الطائفة السنية، والحرص على تمثيلهم الميثاقي. وهذا بالتأكيد سيكرس مستقبلاً قوة حزب الله الميثاقية في الإمساك بحق النقض الفيتو حول أي معادلة.

ما يجري هو استدراج للجميع إلى خانة واحدة، واحتمال واحد، يوضع أمام الجميع، بالعودة إلى الميثاقية بمعناها المتخلف، والتي تقوم على فكرة المحاصصة وتوزيع الأدوار والاستثمار بالناس. أي إعادة إنتاج الصيغة الثابتة والسابقة لتاريخ 17 تشرين، والعودة إلى قواعد اللعبة ذاتها، علماً أن هذا النموذج أثبت فشله. ولكن في المقابل، يمكن للإصرار على حسان دياب ومضيه في مهمته تكليف الحكومة، أن ينقلب السحر على الساحر، وهو الذي سيؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة من دون إرادتهم، وقد تتفعل الانتفاضة، وتكثف من تحركاتها. لأن أساس هذه الاختيارات يبقى بعيداً عن واقعية الشارع ومطالبه، هذا الشارع الذي كسر كل القواعد مع المنظومة.