//Put this in the section

انهيار اقتصاد لبنان يهدد آلاف الوظائف والبعض خسرها بالفعل.. شركات تقفل أبوابها ومئات تستعد للإغلاق

يلقي الانهيار الاقتصادي في لبنان بثقل أكبر على الأفراد والشركات، في ظل أزمة مالية خانقة يعيشها بلدهم، والتي شكلت سبباً رئيسياً في حركة احتجاج واسعة تشهدها البلاد منذ أكثر من أربعين يوماً.

فقدان للوظائف، ومشاريع حُكم عليها بالموت، وإقفال لأبواب شركات ضخمة، وقائع تشير إلى فداحة الوضع الاقتصادي الذي لم تنجح الحكومة اللبنانية حتى الآن في تحسينه.




قبل أسابيع، تبلّغت اللبنانية ليتيسيا نيكولا من ربّ عملها أنها خسرت وظيفتها، ومنذ 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، تشارك مهندسة الديكور ليتيسيا (28 عاماً) في التظاهرات الناقمة على السلطة السياسية والمطالبة برحيلها.

ووجدت نيكولا نفسها بعد أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات عاطلة عن العمل، وقالت في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية: «قلّت المشاريع منذ عام. كنا قد تبلغنا قبل بدء الثورة أننا سنحصل على نصف رواتبنا مقابل دوام جزئي في الشهرين الأخيرين من العام».

تقول ليتيسيا التي تمضي وقتها في إرسال سيرتها الذاتية إلى شركات أجنبية: «تلقيت عرض عمل من الكويت، وأدرس الأمر حالياً»، وأكدت أنه إذا «كان السفر الخيار الوحيد فسأضطر لأخذه»، مؤكدة بينما تدمع عيناها: «سأبدأ من جديد لكن ليس هنا، لأنه ما من أمل».

آلاف الوظائف مُهددة

وبعد اندلاع التظاهرات التي شلّت البلد، أقفلت شركة الهندسة أبوابها لأسبوعين على غرار غالبية القطاعات، وبعد ذلك تلقت ليتيسيا اتصالاً للتوجه إلى المكتب حيث دفع لها آخر راتب، و «أبلغوني أنني صُرفت من العمل».

على غرار ليتيسا، يجد آلاف اللبنانيين أنفسهم مهددين بخسارة وظائفهم، وبعضهم خسرها بالفعل من دون سابق إنذار، فيما تلقى موظفون في قطاعات عدة تعليمات بالحضور إلى مراكز عملهم بدوام جزئي مقابل نصف راتب.

من بين هؤلاء ماري (46 عاماً)، وهي موظفة تستخدم اسماً مستعاراً خشية خسارة وظيفتها في متجر ألبسة نسائية راق في بيروت، تعمل فيه منذ 16 عاماً.

قالت ماري للوكالة الفرنسية: «بدأنا منذ مطلع الشهر أخذ يومي إجازة إضافيين في كل أسبوع. وأبلغنا رب العمل أنهم سيضطرون لدفع نصف راتب لنا، على أن يتمّ تعويضنا لاحقاً إذا تحسن الوضع».

لم تعترض ماري ونحو عشرين من زملائها على القرار، وبررت ذلك بقولها: «لأننا نخشى الأسوأ ولا أحد سيخاطر بخسارة وظيفته في ظل هذه الأوضاع السيئة»، مضيفةً: «نعرف أن الوضع سيئ منذ أشهر. منذ أيام لم تدخل خمسون ألف ليرة إلى صندوقنا».

فقر وبطالة

تعدّ الأزمة الراهنة وليدة سنوات من النمو المتباطئ، مع عجز الدولة عن إجراء إصلاحات في البنى التحتية وخفض العجز، وتراجع حجم الاستثمارات الخارجية، فضلاً عن تداعيات الانقسام السياسي الذي فاقمه النزاع في سوريا المجاورة منذ العام 2011 على اقتصاد يعتمد أساساً على الخدمات والسياحة.

كذلك ارتفع الدين العام إلى 86 مليار دولار، أي ما يعادل 150% من إجمالي الناتج المحلي.

وكان لبنان ينتظر الحصول على 11,6 مليار دولار كهبات وقروض أقرّها مؤتمر «سيدر» في باريس عام 2018، مقابل إصلاحات هيكلية وخفض عجز الموازنة، لكن الانقسام إزاء تطبيق هذه المشاريع والخلاف على الحصص والتعيينات، حال دون وفاء الحكومة بالتزاماتها.

مديرة مركز «كارنيغي» في الشرق الأوسط، مها يحيى قالت إنه في لبنان «لا نتجه إلى أزمة، نحن في خضم تدهور اقتصادي».

من جانبه توقّع البنك الدولي أن يسجل العام الحالي نسبة ركود أعلى من تلك المتوقعة مع نمو سلبي بنحو 0,2%، وحذّر من أن معدل الفقر (ثلث اللبنانيين) قد يرتفع الى 50%، ونسبة البطالة (أكثر من 30%) في صفوف الشباب مرشحة لارتفاع حاد.

الأضرار تطال الأدوية والغذاء

وبدأت قطاعات حيوية التحذير من سيناريوهات كارثية، وبحسب الهيئات الاقتصادية، وهو تجمّع تنضوي ضمنه مؤسسات القطاع الخاص والمصارف، فإن «آلاف المؤسسات مهددة بالإقفال وعشرات آلاف الموظفين والعمال مهددون بفقدان وظائفهم».

أما نقابة أصحاب المطاعم والملاهي فأحصت إقفال 265 مؤسسة خلال شهرين، متوقعة أن يصل العدد في نهاية العام إلى 465.

وتشهد البلاد أزمة سيولة بدأت معالمها منذ مطلع العام، مع تحديد المصارف سقفاً للتحويل إلى الدولار خفّضته تدريجياً، ما تسبب بارتفاع سعر صرف الليرة الذي كان مثبتاً على 1507 ليرات مقابل الدولار منذ سنوات، الى أكثر من ألفين في السوق الموازية.

مؤخراً حددت جمعية المصارف سقف السحب الأسبوعي للمودعين بألف دولار، وهو الأمر الذي زاد من غضب المحتجين في الشوارع.

وحذرّت قطاعات عدة من أنها لن تتمكن من استيراد مواد أساسية من الخارج بسبب شح الدولار، في حين طالب وزير الصحة العامة جميل جبق يوم الثلاثاء الفائت مصرف لبنان بالتدخل لتوفير المبالغ الضرورية اللازمة بالدولار لتسهيل استيراد المعدات الطبية.

ولاحظ اللبنانيون انقطاع عدد من الأدوية وارتفاعاً كبيراً في أسعار المواد الغذائية، مقابل تقلّص قدرتهم الشرائية.

ونبّه الاتحاد العمالي العام الأربعاء الماضي من «صرف تعسفي» في عدد واسع من القطاعات، معتبراً أنه «لا يمكن قبول التحجج بظرف طارئ لا يتجاوز الشهر ونصف الشهر للقيام بهذه الحملة».