//Put this in the section //Vbout Automation

إيليا سليمان يواصل البحث عن فلسطين في «لا بد أنها الجنة»

عرض مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي تدور فعالياته حاليا، فيلم «لا بد أنها الجنة» للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، وذلك في القسم الرسمي خارج المسابقة.
وإيليا سليمان. هو أحد المخرجين، الذين صنعوا السينما الفلسطينية الجديدة، التي ابتعدت عن المواضيع والمعالجات والأساليب التقليدية، وكان معه ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، وهاني أبو أسعد، حيث كانت لهم أساليبهم الخاصة، وانطلقوا بالسينما الفلسطينية إلى العالمية، بداية من فيلم «الذاكرة الخصبة»، لميشيل خليفي، الذي عرض في مهرجان كان عام 1981، ومن بعدها لم يغب هؤلاء المخرجون الأربعة بأفلامهم، عن فضاء المهرجانات الدولية الكبرى، مثل كان وفينيسيا وبرلين وغيرها من المهرجانات الكبرى، وفازوا بالعديد من الجوائز الدولية الهامة.

أسلوب متميز




كان «سجل اختفاء» هو أول الأفلام الروائية الطويلة لإيليا سليمان، وحصل على الجائزة الأولى في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي.
وفي عام 2002 أخرج فيلم «يد إلهية»، الذي حاز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» وأفضل فيلم أجنبي في جوائز الأفلام الأوروبية في روما.
وأخرج عام 2009 فيلم «الزمن الباقي»، الذي رشح للفوز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان.
وأخيرا «لا بد أنها الجنة»، الذي شارك في المسابقة الرسمية في الدورة الأخيرة لمهرجان كان، وفاز بجائزة لجنة تحكيم الاتحاد الدولي للنقاد «فيبرسي»، وتنويه خاص من لجنة التحكيم.
ويواصل إيليا سليمان في فيلمه الأخير، استخدام أسلوبه السينمائي المتميز، الذي ينتمي لسينما ما بعد الحداثة، ويعتمد على الصورة وعلى لغة الصمت، ويستمر بحثه عن فلسطين، التي تمثل له العالم كله، كما قال في أحد حواراته، ويبحث في الفيلم عن ذاته أيضا.
ويظهر، صامتا مراقبا، كما اعتدنا عليه في أفلامه السابقة، ويتحدث في هذا الفيلم بجملة واحدة لسائق التاكسي عندما يسأله عن بلده، فيقول «أنا من الناصرة.. فلسطيني»، وهو بهذه الجملة الوحيدة يؤكد هويته، التي يخشى عليها من الضياع، لدرجة أنه يلجأ لقراءة الطالع، ليكون الحواب هو «أن فلسطين ستكون موجودة ولكن ليس في حياته»، ربما تكون هذه هي رؤية سليمان للمستقبل وهي رؤية بقدر ما فيها من خيبة بعدم استرجاع فلسطين في حياة سليمان، إلا أنها تنطوي على الأمل وعدم اليأس والثقة في عودة الحق الفلسطيني وهي القضية، التي تشغل بال سليمان في كل أفلامه. يبدأ في فيلمه من الناصرة، التي لا تغيب عن أفلامه، فيعبر عنها في مجموعة من المشاهد، التي تؤكد نظرته لها، من خلال شابين في مطعم يثوران، لأن اختهما تناولت طعاما مطبوخا بالنبيذ، في اللحظة نفسها، التي يحتسيان فيها كأسين من النبيد. وشيخ يروي حكايات عبثية، وشرطيان إسرائيليان يطاردان شابا في حالة سكر، وشباب يركضون في الشارع حاملين العصي من البر إلى البحر في أياديهم. وينتقل بعد ذلك إلى باريس من خلال مشهد بديع ينقلنا فيه ببراعة من البر إلى البحر إلى السماء، ثم إلى داخل الطائرة، على أنغام أغنية «بحلم معاك بسفينة» للمطربة المصرية نجاة، حيث استخدم في الفيلم مجموعة من الأغنيات لعبد الحليم حافظ ونجاة وغيرهما من المطربين، لتعبر عن حنين إيليا سليمان وإحساسه بالاغتراب وفقدان الحب، وهو ما بدا من تكرار جملة في إحدى الأغنيات تقول «عيشة بلا حب كجدول بلا ماء».
وبعد باريس ينتقل إلي نيوبورك، وفي باريس ونيويورك، اللتين عاش فيهما سليمان سنوات طويلة، نري بعينيه هذا العالم المتوحش، فالتوحش، ليس في فلسطين فقط على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، بل هو مسيطر أيضاً في العالم الغربي، الذي يدعي التحضر. وهو ما يتجلي في مشاهد مختلفة في باريس ونيويورك، لا تحتاج معها إلى أي جمل تفسيربة. فلغة الصورة هي المعبرة في الفيلم.
وفي رحلته لا تغيب فلسطين عن ذهنه، فهي حاضرة بقوة، في كل مكان يذهب إليه. وهو ما يتضح في مشهد فانتازي، عندما تظهر فتاة على شكل ملاك بجناحين، ترتدي علم فلسطين، ويحاول رجال الشرطة الأمريكية إلقاء القبض عليها، وفي اللحظة التي يتوهمون فيها أنهم نجحوا في اعتقالها، يكتشفون فرارها منهم، في دلالة، على فشل محاولات العالم الغربي في القضاء على القضية الفلسطينية ومحو حق الشعب الفلسطيني، الذي لا يستسلم. ويقاوم دائما من أجل استرداد حقه المشروع.
وفي تعبير قوي يقول له نديمه في الشراب «كل شعوب العالم تشرب كي تنسى، أما الشعب الفلسطيني فهو يشرب كي بتذكير».

الهم الفلسطيني

وإيليا سليمان في هذا الفيلم يعبر عن الهم الفلسطيني العام من خلال الهم الخاص، فهو مخرج يبحث عن تمويل لأفلامه، ولكنه يفشل نظرا لشروط الدعم، التي لا تتفق مع السينما، التي يقدمها فهو «مخرج فلسطيني لكنه طريف»، كما قيل في الفيلم. حيث ينوي تقديم عمل كوميدي عن السلام، في إشارة إلى عبث ما يسمى بالسلام العربي – الصهيوني.
ويظهر سليمان طيلة أحداث الفيلم وحيدا، فليس هناك أهل أو أصدقاء، فهو لا يجد الدعم على المستوى الفني، كما لا يجده كذاك على المستوى الإنساني، والكائن الوحيد الذي كون معه علاقة هو عصفور دخل بالصدفة إلى حجرته في الفندق الذي يقيم فيه، هذه العلاقة التي ظهرت في مشهد حير المشاهدين لشدة اتقانه، كما أنه يظهر طيلة أحداث الفيلم في حالة ترقب وخوف حتى في حالة عدم وجود خطر بحيق به. وهو حال الشعب الفلسطيني، الذي فقد كل داعميه في السنوات الأخيرة نتبجة الظروف العربية والدولية، التي غيرت كثيرا من توجهات الأنطمة، وكذلك الشعوب.
وبعد عودته للناصرة يتمثل إيليا فلسطين مرة أخرى كفتاة ترتدي الزي القومي الفلسطيني قبل نكبة 48، في حلم يقظة يؤكد أمنيته المستمرة بعودة فلسطين.
وفي مفارقة واضحة ينتهي الفيلم في مرقص ليلي على أنغام «عربيٌ أنا»، ليقول الفيلم كل شيء دون الحاجة الى أي شرح في كوميديا سوداء هي أشبه بواقعنا الفلسطيني والعربي الراهن.

كلمات مفتاحية