//Put this in the section //Vbout Automation

الحريري باشر ورشته الداخلية بدفع من الانتفاضة… القيود تتكسر

مجد بو مجاهد – النهار

يرسم الرئيس سعد الحريري أمامه درباً جديداً مقتدياً بنور شعلة الانتفاضة التي يرى مراقبون أنها أنارت أمامه طريقاً مزروعاً بآمال المعتصمين، فإذا به يتبع صدى أصوات الشباب الثائر. ولا مبالغة في القول إن المواقف المتقدمة التي عبّر الحريري عنها بعد استقالته تنال إعجاب فئة واسعة من الشباب المنتفض، إلا أن العبرة بالنسبة لهم تبقى في النتيجة. وهناك من يعتبر أن أمام الرئيس الشاب تحديات كبيرة ملقاة على عاتقه كما على عاتق الانتفاضة، وأوّلها في القدرة على الإقناع وإبعاد بعض الوجوه القيادية أو الوزارية أو بعض رؤساء البلديات المحسوبين على خطّه السياسي، عنه، وثانيها في التحديات السياسية التي يخوضها. ويخشى البعض أن يضيّع الحريري بوصلة الطريق التي أرادها شباب الانتفاضة، فيما يتوقّف البعض الآخر عند حدث استقالته من دون تقبّله أو إظهار أي مشاعر إيجابية نحوه.




هناك تنوّع في الآراء التي استقتها “النهار” كعيّنة من المنتفضين وسط بيروت. لاشك أن هناك فئة من المنتفضين تعتبر الحريري واحداً من السلطة المسؤولة عن الأزمات التي يثورون بسببها، وجزءاً من المنظومة التي ولّدت الاحباط لدى اللبنانيين. لكن وبغض النظر عن حساباته السياسية، يقع التمايز في استقالة الحريري وسماعه صوت الشارع، وفي اقراره بالأخطاء واعلانه أنه ليس حجر عثرة في وجه التكليف باستبعاد نفسه.

هاني قبلاوي مثلاً، يتوجّه بالشكر إلى الحريري معتبراً أن الأخير “احترم إرادة الثوّار، ونحن لا نريد أحداً من أركان السلطة في الحكومة، ونتمنّى على الجميع أن يحذوا حذوه ويعتمدون السلاسة نفسها التي اعتمدها. نتعاطف مع الحريري وهو شخص نظيف لم يشارك في الحروب رغم أن البعض في محيطه قد يكون فاسداً ربّما”.

وفي رأي سعيد سليم – من المعتصمين وسط بيروت – أن “استقالة الحريري خطوة صحيحة تلبية لإرادة الشعب، ومواقفه تعبّر عن مطالبنا، ونطلب منه الاستمرار في هذا النهج. تدنّت جماهيرية الحريري في فترة سابقة لكن بعد استقالته، أصبح كلّ الشعب معه وضاعف حجم جماهيريته انطلاقاً من النقطة التي بدأ منها، وإذا كان يهمه الشعب فعلاً، لا بد له أن يستمرّ في الطريق نفسه”.

ويعتبر مالك طعّان – يعرّف نفسه على أنه ستّينيّ من الشيوعين القدامي – “أننا نضحك على أنفسنا إذا اعتبرنا أن الحريري مع الثوّار بنسبة مئة بالمئة، وما يحصل هو عملية مهادنة وإضاعة للوقت. شاركت في تظاهرات سنة 1974 وأقول دائماً إنه لا حلّ للأزمة اللبنانية سوى في الارتقاء إلى مستوى المجابهة الوطنية الفعلية الحقيقية بين قوى النظام وقوى التغيير، ولا حلّ سوى في حكومة تكنوقراط تتّخذ على عاتقها إلغاء الطائفية السياسية وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، واعتقال الفاسدين والمفسدين، واسترجاع أموال الدولة”.

ويروي مصطفى حموي، وهو من بين الناشطين المواظبين على الحضور وسط بيروت: “كنت سابقاً من مناصري تيار المستقبل، ويجب أن أصارح الحريري لأنني من طريق الجديدة ولأنني كنت من مؤيديه، بأنه كان مخطئاً، قبل أن أصارح الرئيس نبيه بري أو سواه بأخطائه. موقف الحريري مشرّف والناس تحبّه لكنني أخشى من أنه يهادن، وإذا كان فعلاً مع الأرض لا بد أن يتبنّى مواقف أوضح خصوصاً أن سمير الخطيب مقرّب منه”.

بعيداً من منطق الحتميّة في التسليم بقراءة كفّ خيارات الرئيس الحريري ومعالم مستقبله السياسي، إلا أنّه لا يزال حتّى اللحظة متمسّكاً بحمل شعلة حكومة “التكنوقراط”، وهنا تستقرئ أوساط قيادية في “تيار المستقبل” عبر “النهار” غياب جرأة الأفرقاء السياسيين وقدرتهم على التشكيل من دون الحريري، في قولها إنهم يريدون متراساً داخلياً وخارجياً لهم، وهو كان مستعداً للاضطلاع بدور فاعل عبر تشكيل حكومة تستطيع أن تحكم وتبدّل الأوضاع. ولم تتلمّس الأوساط أي بوادر جدية لتشكيل الحكومة، وفي رأيها أن المراوحة سيّدة الموقف حتى اللحظة، وأن “البروفات” الأمنية الاستعراضية التي يتولاها مناصرو “حزب الله” هادفة إلى دفع الحريري نحو تبديل موقفه والقبول بما لا يريد أن يقبل به، ما دفعه إلى الإسراع في تأكيد عزوفه عن الترشيح كي لا يتعمّد البعض ابتزازه في الورقة الأمنية.

وتذكّر الأوساط بالشروط الثلاثة التي كان رسمها الحريري قبل إعلان عدم نيّته تولّي رئاسة الحكومة، وهو اشترط إمّا أن يتولى رئاسة حكومة تكنوقراط، وإمّا أن تشكّل حكومة تكنوقراط يرأسها وجه جديد، ورفض تشكيل حكومة مختلطة وعدم الاستعداد للمشاركة فيها، علماً أن مشاورات كانت قائمة لتشكيل حكومة من هذا النوع، لكن الحريري استشعر محاولات التفاف سعياً لتشكيل حكومة على شاكلة القديمة بشكل جديد وفرض أسماء الوجوه التكنوقراط على شاكلة الوجوه الوزارية في الحكومة المستقيلة، ما جعله يتشبّث بطرح حكومة التكنوقراط الكاملة.

وفي المعلومات التي استقتها “النهار”، يبدو أن ورشة العمل الداخلية قد بوشرت داخل “تيار المستقبل”، وكان هناك إجماع خلال الاجتماع الأخير الذي جمع كوادر “تيار المستقبل” أنه لا بدّ من قطع الطريق أمام محاولات صبغ “التيار” بسمعة سيئة بسبب أشخاص أساؤوا الإدارة أو الأمانة. ومواقف الحريري واضحة في الاطار أنه لا بد لكلّ فاسد أن يدخل السجن، ولا خيارات أخرى، وهو وسيبدأ من تيّاره، لكن ذلك لا يعني أن يدفع خمسة أشخاص الثمن فيما يحصّن المحميون طائفياً وسلطوياً. وتشدّد الأوساط على أنه لا فساد مرتبط بـ”تيار المستقبل”، بل هناك أشخاص محسوبون على “التيار” ارتكبوا فسادهم الشخصي وأساؤوا إلى مواقعهم وإلى “تيار المستقبل”، وليذهبوا إلى الجحيم، والكلمة الفصل هي في النهاية للقضاء. ويبقى الواجب السياسي في استبدال أصحاب الشبهات بكوادر نظيفة. وتؤكّد المعلومات أن الحريري باشر في الجزء الأول من الورشة الداخلية في التيار الأزرق، وهو يستعدّ لمباشرة الجزء الثاني من الورشة أيضاً.

وفي الخلاصة، تشدّد الأوساط على أن “الانتفاضة الشعبية أثبتت قدرة الحريري على الحكم وأعطته القدرة على الانطلاق وكسر القيود التي كانت تحيطه وتكبله وتجعله أسير النظام اللبناني والتقليد الذي يفوق عمره عشرات السنين، وهذا ما ساعده على اتخاذ المبادرة وإظهار حقيقة مواقفه الصادقة”. لكن روحيّة الحريري “لا تلغي المخاطر المحدقة في الانتفاضة في كونها من دون تمويل أو دعم جدي، وفي غياب الأهداف المحددة والقيادة الواضحة المعالم، والقدرة على التواصل، ما قد يضعها أمام تحديات كبرى مرتقبة”.