//Put this in the section //Vbout Automation
وسام سعادة - القدس العربي

لبنان: مع من يتفاوض المنتفضون لو اختاروا قيادة؟ – وسام سعادة – القدس العربي

لسان حال المنظومة المتسيدة والمتصدعة في لبنان واحد حيال الانتفاضة الشعبية. هي منظومة الهائمين على وجوههم بامتياز، جراء انفجار التناقضين السياسي والاقتصادي في نفس الوقت. لكنهم ما زالوا في قصورهم، ولن يسلموا مفاتيحها بسهولة.

من جهة، تلاك عندهم معزوفة «بلغنا وجعكم أيها الشباب، لكن الوقت حان أن تعودوا أدراجكم، وإلا فأنتم تساهمون في زيادة الأوضاع سوءا».




ومن جهة ثانية، تجري مطالبة الانتفاضة باصطفاء ممثلين عنها للمفاوضة.
والمطالبة هنا تستبطن أن الجانب الوحيد من الانتفاضة المعترف به من قبل أصحاب الشوكة والثروة على حد سواء هو الجانب «المعاشي» المشتت، أي الجانب الذي لا يحتاج أساسا لناطق رسمي.

أما الجانب الآخر، والرئيسي، المتصل بالقطيعة مع هذه التركيبة المشكلة من الأحزاب السياسية المتخاصمة والمتعايشة في حكومات مشتركة متعاقبة، كما المتصل بالقطيعة مع تلك النظرة التي روج لها طويلا، والتي تفتئت فيه على البلد وتقزمه الى «وطن المصارف»، فهذا الجانب، الذي هو «كل الانتفاضة»، لا يريد أن يراه مجمع الرؤساء اللبنانيين الرسميين والفعليين. يعتبرونه عدميا وعبثيا، وبالتالي معدوما، كأنه لم يكن.

وأدهى من ذلك، كلما تطرق زعيم أوليغارشي الى ازمة النظام رآه أزمة شاملة تنتاب كل المفاصل والحلقات ولا ينجو منها الا حالته هو وتياره هو. وكل زعيم أوليغارشي لا يكاد يفرغ من مطالبته الانتفاضة بأن تتنظم وتتبرمج وتبلغ سن الرشد، حتى تراه يطرح نفسه أبا اعتباريا لها، غصبا عنها، ما دامت محكومة بأن تبقى قاصرا. بالتوازي، يتبادل اقطاب الأوليغارشية تهم التعاون مع الانتفاضة بين بعضهم البعض.

أن لا تفرز الانتفاضة قيادات وهيئات تنسيق أو تنطق باسمها، فهذا اتخذه خطاب أهل الشوكة والثروات الكبيرة للقذف ضد الناس، والطعن بالمسار الثوري. هذا في وقت ليس من المألوف فيه ابدا، في تاريخ الثورات، أن تنبثق قيادات واضحة لها، قبل مضي أشهر طويلة. إلا إذا كانت الثورة مرتكزة على انقلاب عسكري.

لا يلغي ذلك، البتة، أن الحدث الانتفاضي الشعبي اللبناني يواجه الإشكالية نفسها التي تعترض كل الحركات الاحتجاجية والانتفاضية في عالم اليوم، وهي اشكالية التحسس من أي انبثاق قيادي، ومن أي محاكاة لثلاثية القائد والطليعة والجماهير التي طبعت تاريخ الثورات في القرن الماضي. هذا التحسس، هو في جزء منه، احتجاج عميق على «حكم التمثيل»، اي احتجاج على فكرة أن المنتخبين ينالون من الناخبين وكالة على غرار الوكالات التجارية، ناهيك عن التفويض الكارثي حين يطلبه زعيم شعبوي، لتقويض مرجعية صناديق الاقتراع.

في الانتفاضة اللبنانية عناصر توتر مع حكم التمثيل بحد ذاته، جنبا الى جنب مع عناصر توتر من كون النظام لا ينهض على اساس سليم من حسن التمثيل. وحين يطالب اصحاب الشوكة والثروة المتظاهرين والمنتفضين باختيار ممثلين عنهم فإنهم يطالبونهم بما يقوم الاحتجاج مرة بمناهضته، وهي فكرة الموكل والموكلين، ومرة بالتطلع إليه، من وكالة جديدة معطاة لبرلمان جديد منتخب بشروط الانتفاضة والثورة.

لكن الطامة ليست هنا. لنفرض ان الانتفاضة تمكنت من ايجاد تلك القيادة العتيدة لها ان لم يكن غدا فبعد غد. مع من تفاوض تلك القيادة الانتفاضية؟
ليس هناك ضمن هذه التركيبة الجاثمة من يفاوضه المنتفضون، مثلما أنه لم يعد هناك، على صعيد هذه التركيبة، اي قابلية للتفاوض المنهجي بين احزاب الأوليغارشية فيما بينها.

فما الذي يطالب به المفاوضون بالتحديد؟ التفاوض مع رئيس الجمهورية؟ هل يمكن ان يحصل التفاوض، مثلا، على قاعدة البحث معه في شروط وترتيبات التنحي، بما انه من بين مطالب المنتفضين؟ هل يمكن بأقل تقدير المكابرة على انه رئيس خلافي بين الناس؟

في سنوات ماضية كانت تستحدث بدعة اسمها طاولة الحوار. مرة برعاية الرئيس الأبدي للبرلمان، ومرة برعاية رئيس الجمهورية. اليوم؟ طاولة حوار تضم ممثلين عن «الحراك» وتحت رعاية عون او بري هي فكرة سريالية بامتياز.

يبقى حيز واحد. التفاوض بين الانتفاضة وبين حزب الله، وهذا لن يكون واقعيا الا بعد أشهر من مواصلة العمل الانتفاضي بشكل تراكمي. لكن هذا إذا حدث يعني أن النظام بالفعل سقط، بحيث أن التفاوض الوحيد الممكن سيكون مع ولي أمر النظام.