//Put this in the section //Vbout Automation

هل يستفقد ”حزب الله” رفيق الحريري كلّما عمل مع ابنه؟

سركيس نعوم – النهار

لا يحب “حزب الله” إجراء مقارنات علنية بين زعامات سياسية لبنانية بعضها مؤيّد لسياساته من بعيد لبعيد كما يُقال، وبعضها الآخر “متحالف” معه على السرّاء والضرّاء وبعضها الأخير مخاصم له كي لا نقول معاد. لكنه لا يستطيع في مفاصل معيّنة أو أزمات صعبة ومكلفة على صعد متنوّعة إلا أن يجري مثلها… في دوائره وهيئاته وجلساته. وقد يكون مفيداً للشعوب الطائفية والمذهبية أن تعرف في هذه المرحلة الخطيرة والصعبة جداً من تاريخ بلادها كيف كان ينظر “الحزب” الى الرئيس الشهيد رفيق الحريري والد وارثه في زعامة السنّة ورئاستي “تيار المستقبل” والحكومة سعد، وكيف ينظر الآن الى الأخير. طبعاً لا يعني ذلك أن علاقة الشهيد بالأمين العام لـ”الحزب” السيد حسن نصرالله كانت سمناً وعسلاً، وأن التوافق بين سياستيهما المحلية والاقليمية والدولية كان قائماً وعلى أسس ثابتة ودائمة. ولا يرمي في الوقت نفسه الى تحسين صورة الثاني عند اللبنانيين غير الشيعة من خلال الابعاد غير المباشر لشبهة الاشتراك في اغتيال “أبو بهاء” عام 2005. فهذا أمر قانوني دولي لا يتدخل فيه “الموقف هذا النهار” وينتظر شعبه كما الشعوب الأخرى توصّل المحكمة الخاصة بلبنان الى نتائج حاسمة في هذه الجريمة البشعة. علماً أن الأمل في ذلك بدأ يضيق، إذ مرّت سنوات عشر وربما أكثر على الاغتيال، والاتهام لا يزال محصوراً بأربعة أو خمسة أشخاص بعضهم قضى في الحروب ينتمون الى “الحزب”. ولم يتسرّب عن المداولات والتحقيقات والاستماع الى الشهود أن هذه المحكمة توصلت الى معرفة إذا كان المتهمون نفّذوا الجريمة أم خطّطوا لها ونفذوها أم نفّذوا خطة أعدّتها جهة أو جهات خارجية ومن تكون. بل ترمي المقاربة الى إظهار الفرق بين الأب والابن أمام اللبنانيين ومنهم السنّة وهما منهم، وخصوصاً في مرحلة داخلية صعبة بل خطيرة يقف لبنان فيها على حافة هاوية الانهيار المالي والنقدي والمصرفي والاقتصادي والأمني، كما على حافة هاوية أخرى هي الفراغ السياسي ووقوع الدولة ومؤسساتها المتنوّعة في الشلل الذي لا شفاء منه، وشعوبها في الفتن وربما لا قدّر الله في حرب أهلية أو في حرب مدمّرة مع العدو الاسرائيلي.




ماذا في المقارنة المشار اليها أعلاه استناداً الى جهات على اتصال بـ”بحزب الله”؟

فيها أن الرئيس سعد لا يركّز في صورة عامة ويتردّد في كثير من المواقف التي تتطلب قراراً ثابتاً وحاسماً ويتقلّب. فضلاً عن أنه غير معروف بالنشاط الزائد وبالاجتهاد من أجل اكتساب المزيد من المعرفة بالداخل وبالمنطقة العربية والاسلامية ومعها بالمجتمع الدولي. طبعاً يقول البعض من مريديه وأخصامه أن له علاقات دولية مماثلة للتي كانت لوالده الشهيد وأنه يستعملها سواء من أجل لبنان الوطن والدولة على ضعف الأول وهشاشة الثانية. وفي ذلك بعض الصحة وليس كلّها. فهو ورثها لكنه أضاع القسم العربي منها أو بعضه (السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة) رغم التحرّك النشط لسفراء دول هذا القسم في اتجاهه لأنه لا يزال الرمز السنّي الأكثر تمثيلاً. علماً أن من يمثلهم من السنّة اليوم أقل بكثير من الذين مثّلهم والده، وهم مضطرون أن يؤيّدوه بقصد الاستعانة بحماية من كان مع والده. وفي السنوات الأولى لممارسته السياسية ابتعد عن فرنسا لدرجة أن كثيرين من مساعدي الأب ومستشاريه نصحوه باستمرار العلاقة وتوثيقها مذكرينه بأن والده انطلق دولياً وحتى اقليمياً من باريس.

كما نصحوه بتعميق العلاقة مع الدول الكبرى في العالم والمنطقة. طبعاً لا يستطيع أحد القول أنه لم يتجاوب، لكن الثابت أن تجاوبه كان متأخراً فلم يعط النتائج “الباهرة”، لأن الوضع اللبناني المتوازن الى حد ما لوالده بسبب أحجامه الداخلية والعربية والاقليمية والدولية اختل وصار الميزان “طابشاً” لمصلحة أخصامه وأخصام وريثه. وقد أثّر هذا الواقع الصعب على دوره بل وزنه الخارجي أيضاً. وفي هذا المجال تقول الجهات التي على اتصال بـ”الحزب” أن رفيق الحريري كان مختلفاً، ولو كان موجوداً حالياً لاختلفت الأمور كثيراً واتجهت نحو الايجابية، ففي أحد الاجتماعات التي عقدها السيد نصرالله والرئيس الشهيد وربما في أكثر من اجتماع حذّر الثاني الأول بقوله أن القرار 1559 “جايي”. وقصد بذلك مضمونه. فلنتفق أنا وأنت. أنت تتكفّل بسوريا وأنا بالخارج الاقليمي الدولي الذي تعرف أن لي فيه موقعاً مهماً وكبيراً. بذلك نرتّب أمور البلاد. ويعرف “الحزب” أنه كان صادقاً في ذلك. أما لماذا لم تسر الأمور على هذا النحو فلأسباب عدّة لا يمكن الخوض فيها وربما معظمها لا يزال مجهولاً. فأين سعد من ذلك؟ رفيق الحريري كانت كلمته كلمة وكان في الامكان “وضع اليد في يده” كما يُقال”.

في أي حال اعتقد كثيرون عام 2005 ومنهم لبنانيون وسوريون مؤيّدون لسوريا طبعاً لا يزال بعضهم على الاعتقاد نفسه اليوم أن الرئيس بشار الأسد مسؤول عن خروج سوريا من لبنان في ذلك العام، أو بالأحرى عن إخراجها منه. إذ كان في إمكانه وقبل الوصول الى القرار 1559 بوقت طويل سحب قواته العسكرية والأمنية من الطرقات ووضعها في الثكنات تلافياً لاحتكاكها بالناس في ظرف كان الغضب عليها يكبر في استمرار. لكنه لم يفعل وكان في استطاعته أيضاً أن يسحبها من المدن ويركزها على قمم الجبال شرقاً وغرباً. لكنه لم يفعل أيضاً. وكان في استطاعته ثالثاً وبعد صدور الـ1559 الانسحاب الى البقاع ومحاولة البحث مع المجتمع الدولي واللبنانيين والعرب في طريقة تحفظ ماء وجه بلاده وتبقي لها دوراً إقليمياً. لكنه لم يفعل، وعلى العكس من ذلك اتخذ قراراً انفعالياً نتيجة غضب أو ربما خوف لا أحد يعرف، فسحب كل قواته من لبنان وصار لزاماً عليه أن يقاتل من سوريا الخارج المعادي له وهو كبير ومتنوّع في حين أنه كان يقاتله من لبنان وعلى أرضه وبواسطة شعبه أو شعوبه. وأوصل ذلك شعب سوريا الى الثورة السلمية بداية ثم الى حرب أهلية عسكرية صادرتها لاحقاً التنظيمات الارهابية المتطرفة.

أين صارت الأزمة الحكومية في لبنان التي جعلت الكثيرين ومنهم “حزب الله” يقتنعون نهائياً بتردد الحريري الابن وبالصفات الأخرى المفصّلة أعلاه؟

يجيب متابعون لـ”الحزب” من قرب: حتى الآن موعد إجراء استشارات التكليف غير محدّد بل غير معروف والأمر نفسه بالنسبة الى موعد التأليف والحقيقة هي أن الاتصالات مقطوعة الآن بين الرئاسة و”الحزب” ورئيس الحكومة المستقيلة والمصرّفة للأعمال، لا سيما بعد فشل تجربة ترئيس النائب والوزير السابق محمد الصفدي. فسعد الحريري متمسّك بموقفه الذي تغيّر أكثر من مرّة. فهو مرّة أنا رئيس الحكومة ولا أحد غيري، ومرّة ثانية أنا ولا أحد من الفريق الآخر في الحكومة والمقصود هنا الوزير جبران باسيل رئيس “التيار الوطني الحر” وحكومة سياسية لايت Light أي اللون السياسي لأعضائها باهت مع وجود تكنوقراط فيها. هذا الأمر لم يدخل بداية في “رأس الحزب” ماذا يعني “لايت”. كيف يكون الوزير حزبياً مثلاً ومعه بطاقة منه ومؤيّد لسياساته و”لايت” في الوقت نفسه؟ بعد ذلك طالب الحريري بحكومة متخصصين (تكنوقراط) يترأسها هو ولا يكون فيها باسيل. ثم وصل الى موقف لا أنا ولا باسيل في الحكومة. وأخيراً ربما وصل الى حكومة “أترأسها أنا للشيعة فيها أربعة وزراء يختار الرئيس بري اثنين منهم و”الحزب” يختار واحداً ويحتفظ بوزيره الحالي في الصحة جبق. وتنقّل عدّة مرات بين هذه الصيغ وقيل أن احداها كانت “التكنوسياسية”. لكن في النهاية تم الاتفاق بينه وبين “حزب الله” وطبعاً رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب على أن يكلّف النائب والوزير السابق محمد الصفدي “تأليف” الحكومة وأن تمارس عملها بعد نيلها الثقة لمدة ستة أشهر. ووضع كل من “الحزب” والحريري والصفدي شرطاً لقبول هذه الحكومة وقبلت الشروط الثلاثة في صورة نهائية. شرط “الحزب” كان عدم المطالبة بصلاحيات استثنائية أي تشريعية للحكومة موسعة كانت أم ضيقة. وهو مطلب تردّد كثيراً في “الانتفاضة” الشعبية العارمة. اما شرط الحريري فتكتم عليه المصدر. وشرط “رئيس الحكومة” الصفدي كان: أنا لا أحكي مع سوريا ولا أزورها. طبعاً كان هناك ما يشبه الشرط لكن لم يُنص عليه لأن لا أحد ضده وهو أن سعد الحريري يترأس الحكومة التي ستعقب حكومة الصفدي بعد ستة أشهر. لماذا فشلت هذه التسوية؟ لأسباب عدة. أولها أن رؤساء الحكومة السابقين السنيورة وسلام وميقاتي رفضا الصفدي وحكومته على نحو جازم رغم إصرار الحريري عليها. وقد غادروا “بيت الوسط” وهم مقتنعون بأن قراره نهائي. وثانيها إقدام الوزير باسيل بتسرعه المعروف و”باستلشاقه” بكل الناس حتى الحلفاء على إعلان هذه التسوية بطريقة جعلت الحريري يبدو مفرّطاً بصلاحيات رئاسة الحكومة وهي الموقع الأول للسنّة في البلاد. طبعاً. ورغم ذلك لا يزال الرئيس بري متمسكاً برئاسة الحريري أي حكومة جديدة، ولـ”حزب الله” موقف مماثل له. لكن الرئيس عون وبعد كل الذي حصل لم يعد كثير التمسّك به. فضلاً عن أن السنّة عموماً وأقطابهم صاروا “نقزانين” ومتصورين أن رئيس الجمهورية المسيحي وحلفاءه الشيعة هم الذين سيختارون الرئيس المكلّف ويؤلفون له حكومته ويحكمون البلاد من خلاله وخلالها. علماً أن عون وكما قال في كلام تلفزيوني يخشى أن يأخذ الحريري التكليف وينام عليه. وعلماً أيضاً أن حلفاء عون وفي مقدمهم “حزب الله” يخشون أن يكون انتظار حكومة الرئيس المكلف طويلاً وأن يكون مرتبطاً بتحركات دولية وإقليمية ضارة بهم. وفي الانتظار تنهار الدولة وتضعف الأحزاب على تنوّعها. وتزداد شعبية الانتفاضة الوطنية الأولى في تاريخ لبنان مع بقائها بلا قائد. والسؤال هنا: ماذا يفعل الجيش؟