//Put this in the section //Vbout Automation

الثورة تواجه التخوين والشيطنة والمحاور… والسلطة تعلّق الحكومة على حبال الخارج

ابراهيم حيدر – النهار

كل المؤشرات تدل على أن أزمة السلطة السياسية وعجزها قد يتحولان الى التركيز على إنهاء الانتفاضة، إما بالقمع وإما بحملات التخوين وفصل الساحات وإحداث توتر طائفي ومذهبي باصطفافات تؤذي الثورة. بدا أن عجز السلطة المتمثلة اليوم في قصر بعبدا والمتحالفة مع “حزب الله” عن تشكيل الحكومة وكأنها تصطنع توازنات جديدة مرتبطة بالخارج، وهي بذلك تراهن، استناداً الى مصدر سياسي متابع، على تطورات خارجية وفي الوقت عينه على إنهاء الانتفاضة لتضمن استمرار التحكم بقرار البلد، وما طرحُ الحكومة السيادية إلا للقول إن لا تنازل أمام الانتفاضة على رغم أن الوضع آيل الى الإنهيار اذا استمرت السلطة في المماطلة في أخذ مطالب الناس الذين نزلوا الى الشوارع في الاعتبار، وإذا عجزت الثورة عن إحداث تغيير فسيدخل البلد في وضع كارثي، وسنكون أمام نوع مختلف من التغيير بكلفة باهظة.




نجحت الانتفاضة في إعادة جمع الناس في ساحاتها، بعدما كانت السلطة تقول إن الأيام المتبقية للثورة لن تقوى على الحشد وممارسة الضغوط، فجاء عيد الاستقلال ليؤكد التفاف قسم كبير من اللبنانيين حول الانتفاضة ومطالبها، وإن كان البعض بقي يغرد في استهدافات خاصة به. وبدا أن تعنت السلطة في الموضوع الحكومي، جعل الثورة أكثر شعبية، وهي التي أنجزت أهم أهدافها المتمثلة في موضوع المواطنة وأثبتت أنها عصية على محاولات التوظيف والاختراق وواجهت محاولات إجهاض مسيرتها، فيما تهدف الآن إلى ترجمة ما حققته سياسياً، وإن كان ما تحمله قوى السلطة عليها أنه ليس على أجندة مطالبها، كملف سلاح “حزب الله” مثلاً الذي يبقى، بحسب المصدر، مسألة خلافية، حتى أن المناقشات في ساحات الحراك لا تركز على هذا الملف وتعتبره في صيغته الراهنة أحد عناوين المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهذه المسألة لم يتلقفها الحزب فاستمر في توجيه الاتهامات الى الانتفاضة بأنها من “شغل السفارات”، مستنداً إلى كلام السفير جيفري فيلتمان في الكونغرس الاميركي، وهو رفع بذلك سقف موقفه في التشكيل الحكومي إلى طرح الحكومة السيادية، أي بمعنى آخر حكومة سياسية تكون له الكلمة الفصل فيها، ما يعني أن كل مطالب الانتفاضة بحكومة مستقلة انتقالية لن تتحقق وفقاً لما يريده الحزب وكذلك “التيار الوطني الحر”.

يتبين من خلال تعامل السلطة وقواها السياسية والطائفية المسيطرة على الحكم اليوم، مع الانتفاضة بمنطق الاستقواء، وهي بذلك ترهن البلد للخارج إذا كان تشكيل الحكومة أصبح على جدول أعمال الخارج وصراعات المحاور. ووفق سياسي خبير ان قوى السلطة تتعامل مع الثورة اللبنانية على أنها تهديد لمصالحها وللتسويات التي نسجتها، خصوصاً تسوية 2016 الرئاسية، في وقت كان “حزب الله” يدخل الى قلب النظام ويصبح مقرراً فيه، على رغم كل ما حل بالبلد من انهيارات متتالية ناتجة في شكل رئيسي من النهب والفساد والمحاصصة. ولأن “حزب الله” رفع السقف في الملف الحكومي معتبراً أنه لن يخضع للضغوط الاميركية، فهو بذلك يأخذ البلد الى مسار آخر، وفق السياسي، اي أنه يعتبر المعركة دولية ويهمش مطالب الناس، فمن قال إن الحكومة المستقلة التي تحمل برنامجاً انتقالياً ليست سيادية، إلا إذا كان الحزب يحرص على استمرار التركيبة ما يؤخر المعالجة ويساهم في تفاقم الأزمة المالية، وهو كأنه يخوّن الانتفاضة ويطعنها ويساهم في قمعها.

موقف “حزب الله” المتطابق مع رئيس الجمهورية ميشال عون، انعكس سلباً على الموضوع الحكومي، في حين أن رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الذي يصر على حكومة تكنوقراط ينصرف أيضاً، وفق ما يقول السياسي، الى ترتيب أوضاع تياره ولملمة الخسائر التي تعرض لها في بيئته السنية، وقد لا يكون جمع رؤساء الحكومة السابقين خلف موقفه طريقا لتعويم نفسه في وقت يتعرض أيضاً لضغوط من تحالف عون و”حزب الله” باعتبار أن قوته خارجية اليوم بالدرجة الأولى، اي شبكة علاقاته التي تحميه وتساعده على الفوز مجدداً برئاسة الحكومة طالما أن اسمه لا يزال الأول المتداول بين الجميع. لكن عودته ما زالت تصطدم بشروط الحكومة التكنوسياسية، فيما باتت الامور بعد 38 يوماً على الانتفاضة في عهدة الخارج الإقليمي والدولي، إذ إن السلطة تنتظر جلاء الصورة وتبلور تفاهم اقليمي دولي، بعدما بدأت فرنسا تتحرك سريعاً وتفتح خطوطاً مع إيران والولايات المتحدة، وتتجه الى تنظيم لقاءات لإخراج البلد من أزمته الراهنة. ووفق المعلومات التي ينقلها المصدر السياسي فان الاتصالات الفرنسية تتركز مع طهران وروسيا لبلورة حل وسط قد يبصر النور اذا نضجت بنوده، يقوم على تشكيل حكومة تكنوسياسية برئاسة الحريري الذي يسهل إقناعه من الخارج، يتمثل فيها “حزب الله” وكذلك “التيار الوطني الحر” بشخصيات جديدة على رغم رفض عون إزاحة جبران باسيل، في حين أن هذا الاقتراح يسابق التوترات على الأرض مع تصعيد الأميركيين إجراءاتهم ضد “حزب الله” وضغوطهم لإخراجه من الحكومة، وهو ما سيؤدي الى رفع سقف شروط الحزب أيضاً، إلا إذا تمت تسوية في هذا الأمر أساسها خارجي، طالما أن لا أحد من الأطراف الدوليين يرفض التخلي عن أوراقه، وهو أمر معلن خصوصاً من الحزب والإيرانيين مع الاستعداد للمواجهة، علماً أن أي تسوية خارجية لن تكون الملفات الأخرى معزولة عنها، والكلام للمصدر، أي أن الحكومة لن تتشكل الا بتسوية تطاول كل الملفات، من النفط الى الترسيم والقرار 1701، باستثناء سلاح الحزب وملف العقوبات.

ماذا عن الانتفاضة في ظل هذه الوقائع؟ على رغم ما يجري من شيطنة لها نسبة الى كلام فيلتمان وتخوينها في مجالات عدة، إلا أن الانتفاضة التي استقطبت المهنيين ونقاباتهم وباتت الطبقة الوسطى في صدارتها، ستواصل الضغط لتحقيق أهدافها، أو على الأقل تحقيق انجاز حكومة مستقلة ببرنامج اصلاحي، فهي لن تقبل أن تكون ضحية أي تسوية إقليمية ودولية أو حرف القضايا التي حملتها وتحويلها الى صراع المحاور.