//Put this in the section //Vbout Automation

لفيروز في عيدها: ”لبنان الحقيقي جايي”

(تيشيل الوجوه المصبوغة/ الوعود المدموغة/ وياخدهن الشتي/ بفي البواب/ عم تكبر الطفولة/ عم تكبر البطولة/ عم تلمع الساحات)

أيّتها المقيمة في حديقة صمتكِ. حين غنّيتِ من قعر حربنا الأهليّة، “لبنان الحقيقي جايي”، صدّقنا بواريدنا ومتاريسنا وطائفيّتنا، ولم نصدّق الصوت الأنثويّ القادر أن يعبر إلينا على أنصال الخناجر. آنذاك، كان عاصي يداوي الحلم الذي تكسّر بين أصابعه بمزيد من الحلم. وكان منصور يغلّف الحلم بالقصائد كي يحميه من جور الأيّام الآتية. صدّقنا الواقع وكذّبنا الحلم. صدّقنا صراخنا ونباح كلابنا وكذّبنا صوتك الذي يختصر تيه أيّامنا، ويختصر كلّ ما هو جميل في هذا الشرق، وفي دمشق والقاهرة وبغداد وعمّان وتونس، ما وُلد وما لم يولد بعد.




اليوم يا سيّدتي، آن الأوان أن نعتذر وأن نعلن توبتنا. لقد ظلمنا عاصي ومنصور حين أخذنا عليهما الإغراق في الحلم و”النأي بالنفس” عن الواقع. فاتنا أنّ الحلم الذي رسماه بالكلمات، ورسماه بالأنغام، دوالي تتعرّش وقناطر تتزيّن وبشراً يؤمنون بأنّ القنديل سيغلب هولو المظلم ويعيد إليه نزق الحبّ، فاتنا أنّ هذا الحلم هو كلّ ما بقي لنا كي نداوي البشاعة التي تحيط بنا. وفاتنا أنّ هذا الحلم يختزن في ذاته طاقة الفرح وطاقة التجدّد وطاقة الحياة.

يا سيّدتي، حين أرى الناس يستلّون التغيير من أغاني الحبّ في أغانيك ومن اللحظات المغتسلة بالقمر في لياليك القمراء، حين أسمع صوتك يصبح مبرّر وجود الإذاعات في هذا الزمن التغييريّ المجيد، كم أتمنّى أن يكون عاصي ومنصور بيننا كي يشاهدا بأمّ العين ماذا صنع الوطن العظيم الذي عمّراه لصوتك طوبةً طوبة ودمعةً دمعة: من بيروت إلى بغداد إلى الخرطوم، أطفال يرفعون البيارق ويكتبون التاريخ بالحلم الطالع من صوتك، هذا الحلم الذي أضحى حقيقتنا الوحيدة في زمن التكاذب والفساد، وشباب يحملون حناجرهم على راحاتهم وعيونهم ترنو إلى القدس الثمينة والشام المسوّرة بذهب أغانيك. ولكن لماذا أتمنّى؟ عاصي ومنصور هنا: “لا تقول منّك هون بعدو خيالك عالدراج”. أراهما بعينَيّ يغزلان الأنغام على نول الكلمات لبعلبك وطرابلس والقاهرة وبيروت، وأسمعهما بأذنَيّ يهتفان أنّ الحلم المنبعث من صوتك سيبتلع هذا الشرق الحزين ويحوّله إلى أيقونة.

فيروز، لا أعرف إذا كنت ستقرئين هذه الكلمات. ولا أعرف إذا كانت تستحقّ أن تقرئيها. كلّ عام وأنت بخير!

أسعد قطان – النهار