//Put this in the section

الانتفاضة ترمّم جسور القوات والكتائب

مجد بو مجاهد – النهار

يتشارك أفرادٌ ومجموعات منتمون بالعاطفة أو بالبطاقات الى حزبي “القوّات اللبنانية” والكتائب، ساحات الانتفاضة اللبنانية، وقد مضت على هذا الواقع أسابيع حافلة بالأحداث التي عايشها هؤلاء في خندق واحد، ما فرض واقعاً مستجدّاً على المكوّنين اللذين تلاقيا في ملعب التظاهرات، وكانت لعدد من مناصريهما مساحة مشتركة على الطرق وكذلك وراء القضبان. وقد يكون المثال الأكثر تعبيراً عن الواقع المستجد الذي يربط “القواتيين” والكتائبيين اليوم، في استنفار المحامين الذين ينبرون للدفاع عن الموقوفين، فإذا بهم يترافعون عن مناصرين لـ”القوات” والكتائب معاً. وإذا كان ما بعد السابع عشر من تشرين الأوّل ليس كما قبله على الصعيد اللبناني العام، فإن ما بعده ليس كما قبله على صعيد هذين الحزبين، رغم أن انطباعات من هذا النوع لا تشطح نحو التسليم بحلفٍ تتقدّ شعلته تحت رماد الانتفاضة، إنما يشي على الأقلّ بأن المكوّنين باشرا توزيع ورود التصريحات على بعضهما، وهذا ما لم يكن قائماً قبل اندلاع شرارة الانتفاضة.




“عسل” المصطلحات المنتقية أو ما يسمّى “الغزل السياسي” يسمع بوضوح على لسان عضو تكتل “جمهورية الوقية” النائب وهبه قاطيشا الذي يؤكّد لـ”النهار” أنه “لم يكن هناك خلاف في الخيارات الكبيرة بين القوات والكتائب، والتي كانت دائماً متطابقة بالتمام. قد نختلف في الحسابات التكتيّة لكن عندما تتحوّل القضية الى معيشية، لا بدّ أن تلتقي الجماعتان في الساحات وأن تتبنّيا الخطاب نفسه على أسس منطقيّة. ويُعتبر الالتقاء بين الشارعين القواتيّ والكتائبيّ طبيعيّاً جدّاً، فيما عدم الالتقاء هو العنصر غير الطبيعيّ. ويمكن أن تكتب الاستحقاقات المقبلة (الانتخابات المقبلة مثلاً) تلاقياً وفق ما تقتضي حسابات الحزبين الشخصية، لكن لا خلاف على القضايا الجوهريّة المرتبطة بالبلاد. فعندما تسخن المواضيع نلتقي دائماً مع الكتائب، ويؤسّس النضال المطلبي في الشارع للغد معهم، وحالنا واحدة”.

لا خلاف على صعيد قيادتي “القوات” والكتائب، وفق ما يؤكّده قاطيشا الذي يذهب أبعد في التوصيف التعبيريّ الغزليّ في قوله إنه “إذا جرحت الكتائب نشعر بأننا جرحنا، وإذا جرحنا سيشعر الكتائبيون بأنهم جرحوا”، مؤكّداً أنه “عندما كانت الكتائب متمثّلة في الحكومة كنّا نعتبر أنهم يمثّلوننا أيضاً، وإذا لم نشارك في أيّ حكومة نعتبر أن حضور الكتائب يمثّلنا ونوقّع لهم “على العتم” رغم الزكزكات المشتركة على الصعيد السياسي بين النواب، إلا أنها لا تغيّر شيئاً في المعادلة. وفي المسار الكبير نحن في التوجه نفسه”.

يترافق هذا التلاحم العفوي “القواتي” – الكتائبي الذي بدأت تتضح صورته ويتوسّع كادره، مع انطباعات تسود عن التقاء في الطروح بين قوى الرابع عشر من آذار سابقاً، وهذا ما تجلّى خصوصاً في عدم التئام الجلسة النيابية الأخيرة. فهل تساهم هذه المشهدية في إعادة الحياة الى فريق الرابع عشر من آذار؟ يجيب قاطيشا بأن “تلك المرحلة بنيت على أساس سياسي وبقيت القوات مفتخرة بأنها كانت بمثابة رأس حربة وقتذاك. الانتفاضة المطلبية لم تحصل على قاعدة الثامن والرابع عشر من آذار، رغم أن في فريق الثامن من آذار من أخذوا من الانتفاضة مناسبة للتعبير عن رفضهم للهيمنة التي يخضعون لها في بعض المناطق. وتؤمن قوى الرابع عشر من آذار بالديموقراطية الاقتصادية والسوق الحرّة والعدالة، فيما لا يؤمن قسم من الفريق المقابل بهذه المبادئ لكونه يستوحي سياسته ومفاهيمه من النظام في إيران”.

الجسور مفتوحة أيضاً على المقلب الكتائبيّ، وفق ما يرشح من مقاربة نائب رئيس حزب الكتائب الوزير السابق سليم الصايغ. ويقول لـ”النهار” إن “الاتصالات واردة وقائمة وواجبة بين الحزبين، ولكن ليس هناك أيّ تنسيق سياسيّ بينهما، بل تموضع للأفراد في المكان الواحد في الساحات، فهم أخوة وأولاد عمّ وجيران جمعتهم الساحات خلال المعارك الطالبية في زمن الوصاية السورية، وصولاً الى حقبة ثورة الأرز، ويحصل أن المحامين يستنفرون للدفاع عن الموقوفين من دون معرفة انتماءاتهم الحزبية”، مؤكّداً أن “الكتائب تعتبر نفسها في خندق واحد مع كلّ المجموعات، ونحن في تحالف موضوعي غير إرادي بسبب الواقع الحالي ونلتقي من دون تنسيق، وهذا ما يحصل في الشارع”.

ويخلص الصايغ الى أن “الثورة أوقفت في بداياتها الموت البطيء الذي كان يجري في لبنان وأعطت تأكيداً أنه لا يموت، وهذا هو الانجاز الأهم للانتفاضة. وأثبتت القوى التي قاطعت الجلسة النيابية أن ديناميّة الثورة قد تتوسّع أبعد من حدود الساحات، فتغزو وتتقدّم الى المؤسسات الدستورية والعامة. وواقعياً، من المبكر الحديث عن تحالف ارادي سياسي مع أي من القوى السياسية، التي لا تأخذ على عاتقها التنظيم والمبادرة لأنها لا تريد تسييس الانتفاضة. واذا ما تشكّلت الحكومة سيأتي موعد تتطوّر فيه الثورة بطريقة مختلفة وتطرأ حاجة الى بروز تنظيمات أكبر وتأطير مختلف للساحات، مع بروز أحزاب جديدة وتطوّر أحزاب قديمة، وعندها سيكون هناك جدوى لإعادة التأطير. ولا بدّ من انتظار انقشاع الرؤية في خضم خلط الأوراق في البلاد، وعندها كلّ الاحتمالات تبقى مفتوحة”.