//Put this in the section

هل قال تيمور جنبلاط لوالده: ”لن أعيش في جلباب أبي”؟

أحمد عياش – النهار

لن يكون نجاح ثورة 17 تشرين الاول في منع الجلسة النيابية العامة من الانعقاد هذا الاسبوع إنجازا إضافيا فحسب، بل يمثل منعطفا في الحياة السياسية اللبنانية التي تعاني خواء لا مثيل له في تاريخ هذا البلد قديما وحديثا. وكشفت وقائع يوم الثلثاء، ان الثائرات والثائرين استطاعوا نقل قضيتهم الى الغرف السياسية المغلقة التي عمّها الاضطراب وفَتَحَ أبوابها ونوافذها على هدير الساحات وأمواج أعلامها.




لم يكن قرار رئيس مجلس النواب نبيه #برّي الانتقال ليل الاثنين الماضي الى ساحة النجمة للمبيت بها كي يكون حاضرا في اليوم التالي ليرأس الجلسة العامة قرارا عاديا. فهو كان يعلم ان المسافة التي تفصل ما بين مقره في عين التينة وبين البرلمان لا تقاس بثلاثة كيلومترات فحسب، بل هي تبلغ مئات الكيلومترات بالمعنى السياسي نتيجة الهوة العميقة التي حفرها اللبنانيون بدءا من 17 تشرين الاول الماضي بينهم وبين الطبقة السياسية، فصار لزاما على هذه الطبقة كي تصل الى مراكزها ان تلتف حول هذه الهوة، ما جعل طريقها طويلة جدا. ولا داعي هنا للتركيز على مبيت الرئيس بري ليلته في ساحة النجمة فقط، بل بالامكان تلاوة الكثير من الاخبار المماثلة، وبينها ما تردد عن انتقال رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران #باسيل الى العيش في قصر بعبدا بعدما صارت المسافة بين منزله وبين القصر طويلة جدا أيضا.

في يوم الجلسة النيابية العامة الثلثاء، تبيّن ان قرار الرئيس بري الانتقال عشيتها الى مربّع البرلمان لم يكن كافيا. وكان يقتضي لتأمين نصاب انعقادها ان يطلب من أعضاء كتلته وسائر الكتل الحليفة والصديقة، ان يحذو حذوه ليحضروا مع مستلزمات نومهم الى وسط بيروت كي يكونوا حاضرين صبيحة اليوم التالي للمشاركة في الجلسة. فهل فاتت رئيس البرلمان هذه الفكرة أم ان هناك أسباباً أخرى وراء عدم الأخذ بها؟ ربما هناك سبب وجيه لعدم المبيت الجماعي للنواب في ساحة النجمة، هو انه في حال حصوله فعلاً، سيعني ان نواب الامة تسللوا الى الجلسة ولم يصلوا اليها، وهذا أمر محرج للغاية لمن يعتنقون مبدأ “المجلس سيد نفسه”.

بعد انقضاء وقت الانتظار لتأمين نصاب الجلسة والذي لم يتأمن، قرر بري الاعلان عن تأجيلها. ونشطت الاتصالات الهاتفية بينه وبين كثير من النواب الذين قدَّموا الاعذار والاعتذارات لعدم الانضمام اليه. لكن المتصلين برئيس المجلس وزواره لاحقا لفتهم هدوؤه بدلاً من غضبه مما حدث. وما زاد في حيرتهم ان بري ردد عبارة “ربّ ضارة نافعة”، وهي عبارة تعني ان فقدان نصاب الجلسة العامة ليس فيه ضرر كامل، بل ينطوي على خير أيضا. فما هو هذا الخير؟

في جلسة تشاور ضمّت نوابا وسياسيين مخضرمين بعد انتهاء تجربة عقد الجلسة العامة، حاول المشاركون في الجلسة مقاربة نتائج هذه التجربة التي تعني ان المؤسستين الرئيسيتين في الحكم، البرلمان والحكومة، قد صارتا مشلولتين بفعل الثورة المستمرة. وفي رأي احد المشاركين في جلسة التشاور هذه، ان عبارة رئيس المجلس “ربّ ضارة نافعة” تعني ان الازمة بلغت مرحلتها النهائية التي تتصل برئيس الجمهورية ميشال #عون الذي عليه اليوم أن يقوم بما ينيط به الدستور من عمل ألا وهو إجراء الاستشارات النيابية الملزمة. هذه الاستشارات التي لم يجرِها الرئيس عون منذ استقالة الرئيس سعد الحريري في 29 تشرين الاول الماضي، صارت الآن البند الاول في واجهة الاهتمام، وأبعدت رئيسيّ البرلمان والحكومة عن مرمى المسؤولية في الوقت الحاضر.

ماذا عن رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب تيمور جنبلاط الذي ارتبط عنوان هذا المقال باسمه؟

في معلومات لـ”النهار” انه مساء الاثنين الماضي ترأس النائب جنبلاط إجتماع “اللقاء” للتشاور في موضوع الجلسة النيابة العامة في اليوم التالي. وفوجئ الحضور بما أعلنه رئيس “اللقاء” في بداية الاجتماع إذ قال: “عندما ربطنا قرار استقالتنا من الحكومة بما سيقرره الرئيس الحريري، إنتهى الامر الى إعلان الحريري استقالته فقطف هو النجاح بقراره وكنا نحن تتمة له. وعندما قررنا ان نشارك في اعمال الجلسة النيابية في موعدها الاول قبل أسبوعين، ربطنا أنفسنا بقرار الرئيس بري الذي قطف هو نجاح قرار تأجيلها وكنا نحن تتمة له. لقد آن الاوان لنتخذ القرار الذي يجب ان نتخذه بأنفسنا”.

بعد هذا الموقف للنائب جنبلاط الذي كان له دوي في الاجتماع، كان الموقف بالاجماع هو مقاطعة جلسة الثلثاء.

في الرواية الأشهر للاديب المصري الراحل إحسان عبد القدوس “لن أعيش في جلباب أبي”، تدور القصة حول رغبة الابناء في تكوين مسارهم بعيدا من نفوذ الآباء مهما حقق الآباء من نجاحات في حياتهم.

بالطبع لسنا هنا في معرض المقارنة بين زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ونجله، وبين بطلَيّ الرواية عبد الغفور البرعي، الذي عانى من ابتعاد ولده الوحيد عبد الوهاب عنه، وإصرار عبد الوهاب الابن على بناء عالم خاص جداً بعيداً من والده ونفوذه. لكنَّ هناك شيئا جديدا حصل في مسار الحياة السياسية لتيمور جنبلاط، وهو بالتأكيد من ثمار ثورة بدأت تغيّر لبنان.