//Put this in the section //Vbout Automation

القيادة الإيرانية تدفع ثمن رشوتها الشعب لعقود.. والآن يتهمها المتظاهرون بتجاوز الخط الأحمر

تواجه قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية أكبر تهديد لبقائها منذ حرب العراق في ثمانينات القرن الماضي، بسبب مظاهرات الإيرانيين احتجاجاً على زيادة أسعار الوقود.

وأصدر الحرس الثوري، الذي يتلقى أوامره مباشرةً من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، يوم الإثنين، 18 نوفمبر/تشرين الثاني، تهديداً ينذر باتخاذ إجراءات «حاسمة» ضد عشرات الآلاف من الإيرانيين (على الأقل)، الذين خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود.




في بلد كان يُنظر فيه إلى أن الوقود، المجاني تقريباً، حق مكتسب، كان تأثير ارتفاع الأسعار هائلاً، حسبما ورد في تقرير لصحيفة POLITICO الأمريكية.

على مر الأيام الأربعة الماضية، تقول وسائل الإعلام الحكومية إن المتظاهرين أشعلوا النيران في السيارات، ومحطات الوقود وأقسام الشرطة، في موجة من الاضطرابات التي تعيق القيادة عن حفظ توازن البلاد، ولقي العديد من الأشخاص حتفهم وأُلقي القبض على المئات.

لماذا يعتبر الشعب أن الحكومة تجاوزت خطاً أحمر؟ الرشوة انتهت

واجهت إيران احتجاجات من قبل، لكن النظام الآن في مشكلة أصعب بكثير لأن التظاهرات الأخيرة تركز على القضية الأهم والأكبر بالنسبة لهم: الدعم الحكومي.

لأن إيران صاحبة ثالث أكبر احتياطيات نفط في العالم، كانت تتمكن عادة من شراء ميزة سياسية، أو بالأحرى صمت الشعب، من خلال ضخ مبالغ كبيرة في دعم منتجات الطاقة، والطعام والمياه. وتصنف الوكالة الدولية للطاقة إيران على أنها صاحبة أكبر دعم لمنتجات الوقود الأحفوري في العالم، بقيمة بلغت 69 مليار دولار في 2018.

وحقيقة اضطرار الحكومة الإيرانية الآن إلى خفض دعمها الذي يعزز قاعدة سلطتها ونفوذها بين القطاعات الأكثر احتياجاً من المواطنين علامة صارخة على اقتراب الاقتصاد الإيراني من الوصول إلى نقطة الانهيار، بسبب العقوبات الصارمة بقيادة الولايات المتحدة، التي تُخفض بحدة صادرات النفط الإيرانية.

لماذا اضطرت الحكومة إلى رفع أسعار الوقود؟

وفي خطاب ألقاه في مدينة كرمان جنوب شرق البلاد، خلال الأسبوع الماضي، اعترف الرئيس حسن روحاني أن البلاد تواجه «أصعب أيامها» منذ ثورة 1979، إذا تكافح البلاد لبيع النفط في الأسواق الدولية والحفاظ على حركة ناقلات النفط.

ومن دون الدخل الذي كانت تحققه البلاد من صادرات النفط، لم يعد دعم الوقود الآن قابلاً للاستمرار. وفي يوم الجمعة، 15 نوفمبر/تشرين الثاني، رفعت إيران أسعار الوقود بنسبة 50% مع تحديد سعر 13 سنتاً لكل لتر بحد أقصى 60 لتراً لكل سيارة شهرياً، وكل لتر إضافي بعد ذلك بسعر 26 سنتاً.

وبالرغم من أن تلك الأسعار لا تزال زهيدة للغاية مقارنة بأسعار الاتحاد الأوروبي الذي يصل فيه سعر لتر الوقود حوالي 1.5 دولار، فهذه زيادة هائلة على الإيرانيين، إذ كان يمكنهم قبل ذلك شراء 250 لتراً شهرياً بسعر 8 سنتات لكل لتر.

نوعية مختلفة من المحتجين تشارك في مظاهرات الإيرانيين احتجاجاً على زيادة أسعار الوقود

وأثارت هذه الأنباء غضب الإيرانيين، الذين كانوا ينظرون إلى الوقود، شبه المجاني، بمثابة حق مكتسب مثل مياه الصنبور.

وما يمثل إشارة خطر للقيادة الإيرانية أن تلك الموجة الأخيرة من السخط يبدو أنها تعبر بالفعل عن مجموعات كبيرة وغير معتادة من القطاعات الاجتماعية العرقية والإقليمية، من العمّال الفقراء الذين يتنقلون بين المدن بواسطة «الحافلات الجماعية» إلى الأكراد في غرب البلاد.

الاحتجاجات اتسمت بالعنف/رويترز

في التجمعات الخاصة، يشتكي الإيرانيون أغلب الوقت من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد الذي ينهش البلاد، لكنهم عادة ما يغضون الطرف ويكتمون استياءهم ما دام يتوفر الطعام والوقود بسعر زهيد. أما الآن، فقد تغيرت قواعد اللعبة.

ويتدخل الحرس الثوري.

لا تجعل الفقراء أفقر

مثلما هو الحال دائماً مع الاحتجاجات داخل إيران، من الصعب قياس ما يحدث بسبب القيود الصارمة التي تفرضها الدولة على الإنترنت، لكن حجم الاضطرابات الحالية يبدو مقلقاً بالنسبة للحكومة.

وفي إشارة إلى القاعدة الشعبية الكبيرة للاحتجاجات، نقلت إذاعة فاردا، التي تبث باللغة الفارسية والمدعومة من الولايات المتحدة، عن متظاهرين في مدينة أهواز جنوب البلاد قولهم إن هذا الارتفاع في أسعار الوقود سوف يجعل «الفقراء أفقر«.

وبثّت العديد من وسائل الإعلام مشاهد للطرق المغلقة، والسيارات المحترقة، والهتافات الجماعية. وأعلنت إذاعة فاردا مقتل عشرات المتظاهرين، بحسب مصادر من داخل إيران، وذكرت أن بعض المتظاهرين هاجموا مكاتب الأئمة والبنوك التي لها صلة للحرس الثوري.

ويعرض الموقع الإلكتروني لإذاعة راديو فاردا أيضاً صورة لملصق كبير للمرشد الأعلى تلتهمه النيران، وهذا يعتبر من أكبر المحرمات في إيران.

وتمسكت إيران بالمنهج المعتاد الذي تتبعه الحكومات في مثل تلك الأزمات، إذ وصف خامنئي الاحتجاجات بأنها «أعمال تخريبية» بأيدي الأعداء، ووصف المتظاهرين بـ «مثيري الشغب». وعادة ما تشير إيران إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا على أنهم أصحاب الأيدي الخفية التي تحرك الدمى من وراء الستار.

وأفادت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (IRNA) التابعة للحكومة أن الحرس الثوري ألقى القبض على 150 شخصاً من «المخربين» في غرب طهران، اعترف بعضهم بالحصول على الأموال من جماعات داخل وخارج البلاد.

وغرَّد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، مُظهراً دعمه للاحتجاجات الإيرانية، قائلاً: «الولايات المتحدة معكم«. ولقي ذلك استقبالاً فاتراً معتاداً في طهران. ورد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي: «مثل هذه التصريحات المنافقة تخلو كلياً من أي تعاطف صادق».

سنوات من انعدام الكفاءة

حتى إذا نجحت السلطات في إخماد وقمع الاحتجاجات الحالية، سوف يعتمد بقاؤها على المدى الطويل، على قدرتها على إيجاد المزيد من الأموال لتسديد تلك الإعانات المستقطعة، وبسرعة. إذ تلوح الانتخابات البرلمانية في الأفق، والمقرر لها فبراير/شباط المقبل.

الرواية الرسمية التي تعتمدها الحكومة حالياً هي أنها تلغي الدعم الحكومي للوقود عن السائقين الميسورين، لكي تتمكن من دفع إعانات نقدية لملايين العائلات والأسر الفقيرة.

لكن هشاشة الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني بالفعل من ارتفاع معدلات البطالة والتضخم تشير إلى أن تحقيق ذلك مستحيل تقريباً. تعتمد إيران إلى حدٍّ كبير على النقل البري، وارتفاع أسعار الوقود سوف تؤدي على الأرجح إلى ارتفاع فوري في أسعار كل السلع والمنتجات في جميع أنحاء البلاد.

إنه صراع لطالما كانت تخشاه القيادة الإيرانية. لمدة سنوات، تعهدت إيران بمواجهة الآثار السلبية للدعم والإعانات الحكومية، لكنها لم تحقق أي تقدم حقيقي ملموس خوفاً من التداعيات.

لعنة الدعم الحكومي 

وفي الوقت نفسه، أثبت الدعم الحكومي أنه لعنة على الحكومات.

هذه الأسعار الزهيدة للوقود تعني أن إيران كانت تبدد مكاسبها الضخمة من الصادرات، وتملأ سماء مدنها بالأدخنة والضباب. وتسببت أسعار الوقود الرخيصة أيضاً في تعزيز تجارة التهريب، وارتفاع مستويات الفساد إلى مستوى غير معهود، إذ وجد الإيرانيون طرقاً لشحن الوقود وتهريبه إلى الخارج وبيعه بأسعار أعلى كثيراً في السوق السوداء.

أيضاً، يعتبر دعم المياه كارثة أخرى. فالمحاولة الفاشلة لتحقيق الدعم الذاتي الزراعي، في محاصيل مثل القمح، أدّت إلى استخدام المياه «المدعومة» في تضاريس غير مناسبة، مما يعني تدمير خطوط المياه الرئيسية في البلاد، وتعريض مساحات شاسعة من الأراضي الإيرانية لخطر الجفاف الدائم.

وعندما عادت سنوات من انعدام الكفاءة الاقتصادية الآن لتنقلب عليهم، انقلب القادة الإيرانيون على بعضهم البعض لكيلا يتحملوا المسؤولية عمّا حدث.

قال روحاني إنه عارض بنجاح حكومته التي اقترحت تحديد سعر أعلى للوقود. بينما اكتفى خامنئي بإلقاء اللوم على الآخرين قائلاً إنه «ليس خبيراً» بتلك الأمور.

لكن ذلك لا يعني أنهم بمنأى عن مواجهة التبعات.