//Put this in the section

الحريري محاصر بين إيران والسعودية.. فهل تهزم الطبقة المتوسطة طائفية دامت عقوداً؟

تشهد بعض أجزاء العالم العربي الآن، من الجزائر إلى بغداد، انتفاضةَ طبقةٍ متوسطة محتشدةٍ وغاضبة، ومستندةً إلى ثقافتها ومصالحها الاقتصادية ومواردها المؤسسية لتجذير الديمقراطية في بلادها.

بحسب المقال الذي كتبه دانيال برومبرغ، أستاذ العلوم السياسية المشارك بجامعة جورج تاون بموقع Lobe Log الأمريكي، فإن هذا التطور يشكّل لكثيرٍ من القوى الإقليمية، وليس أقلها إيران، تهديداً خطيراً.




إذ لا شك أن هيمنة المتظاهرين في لبنان والعراق ونجاح قوة الشعب غير مستندة إلى طوائفها في تحقيق أهدافها، تجلب معها احتمالات انتفاض الطبقة المتوسطة الساخطة واسعة الانتشار في إيران، والتي بدت محجمةً عن الاحتجاجات الجماعية في الشوارع لبعض الوقت الآن.

وها هو مشهد المحتجين العراقيين الذين يهاجمون القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء الجنوبية يُفزع الزعماء الإيرانيين، لأن المخاطر التي تواجهها إيران وحلفاؤها في العالم العربي تكاد تكون مخاطر وجودية، فقد تتصاعد الأوضاع لتجد الجمهورية الإسلامية نفسها تدعم صراحةً حملة قمع أخرى ضد القوى «المعادية للثورة» الإيرانية ونظامها. ومن المؤكد أن الرئيس السوري بشار الأسد سيساعد حينها، ليردّ جميل حزب الله في الدفاع عن نظامه.

كيف ستتأثر السعودية والإمارات  بتصاعُد الأوضاع في الداخل الإيراني

ومن المفارقات أن إيران والنظام الحليف لها في دمشق لن يكونا الفاعلين الإقليميين الوحيدين في مثل هذه الحملة. إذ لن تخاطر دول مثل السعودية والإمارات، بعد أن أمضت عقوداً من الزمن تحيط حلفاءها السنة برعايتها، بالتخلي عن المزايا الجيوستراتيجية التي تتصور أنها تجنيها من السياسة الطائفية.

لكن حتى إن أثبت اللبنانيون قدرتهم على تجاوز العقبات الإقليمية الهائلة المفروضة على أي تغيير سياسي شامل، فليس من الواضح ما إذا كان المحتجون يستوعبون حقاً المخاطر والتكاليف الكاملة التي قد تنجم عن الدفع باتجاه قيام ثورة سياسية.

والواقع أنه في حين تعد استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري نوعاً من الانتصار إلى حدٍّ ما، فإن الاحتجاجات الأخيرة من جانب أنصار الرئيس ميشال عون، الذين يطالبون بأن يظل الأخير في منصبه، تدلّ على أن الضغوط من أجل إصلاح النظام السياسي، بدلاً من تغييره جذرياً، قد تزداد في الفترة المقبلة. فقد تدعم القوى الإقليمية المتنافسة التي لَطالما دعمت الطائفية إصلاحاً محدوداً، وهي نتيجة قد يتبنّاها كثير من اللبنانيين أو يقبلونها، كما يبدو أنه سيزيد في الغالب الدافع لاستبدال النظام القديم من حدّةِ النزاعات الداخلية فيما يتعلق بالنظام الذي يجب أن يحل محله.

السياسة الطائفية كلَّفت لبنان الكثير، حتى أصبحت ثالث أكبر دولة مدينة

وقد ساهم الوضع القديم في تأزيم الحالة اللبنانية، فقد بلغ مقدار الدَّين العام للبنان، في يوليو/تموز 2019، ما يزيد على 86 مليار دولار. هذا الدين في طريقه للوصول إلى 158% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2021.

يبلغ عدد سكان لبنان نحو ستة ملايين نسمة، وهي الآن ثالث أكبر دولة مَدينةٍ في العالم. وترجع جذور المصادر الهيكلية لديونها بالأساس إلى شبكةٍ واسعة من المحسوبية والمحاباة، ما انفكت تستخدم لدعم النظام السياسي الطائفي في البلاد منذ فترة طويلة.

وكما هو الحال في كثير من البلدان النامية الأخرى، ظلَّ نظام الانتخابات في لبنان لفترة طويلة قناةً رئيسية لتوزيع وتبادل السلع والخدمات. فقد كان هذا الترتيب، من وجهة نظر اقتصادية بحتة، وصفة مثالية تؤدي للإفراط في الإنفاق الحكومي. لكن المدافعين عن النظام احتجوا بأن السياسة الزبونية (clientelistic) [نظام اجتماعي وسياسي قائم على المحسوبية، على أساس من ترتيب أو تفاهم متبادل بين (راعٍ) لديه السلطة والمال، و(زبون) أدنى منه يستفيد من نفوذه وتأثيره] أسهمت في دعم التعاون بين الطوائف المختلفة، خاصة للناخبين في الدوائر الانتخابية متعددة الطوائف.

إذ في هذه الدوائر الانتخابية كان لا بد من تشكيل تحالفات انتخابية متداخلة عبر الخطوط الطائفية، رغم تأثيرها سلباً على هوية لبنان المشتركة، فإنها أخذت تعزز إجماعاً عملياً عابراً للطوائف على أولوية المكاسب الاقتصادية وغيرها.

لكن الحرب الأهلية أثبتت أن الإجماع لم يكن قوياً

أثبتت الحرب الأهلية في لبنان بين عامي 1975 و1990 أن هذا الإجماع العملي لم يكن قوياً بما يكفي للتغلب على قوى التمركز حول الهوية الطائفية. علاوة على ذلك، فإن منطق التعاون الطائفي قوّض أركانه تطوران:

أولاً: دفعت الحربُ الشيعةَ والسنة والمسيحيين والدروز إلى خلق و/أو التراجع والانحصار في مناطق متجانسة طائفياً إلى حد كبير، وزاد هذا من الحافز لتعبئةِ الناخبين على أسس طائفية.

ثانياً: بدأت القوى الإقليمية تتدخل في السياسة اللبنانية بطرقٍ فاقمت النزاعات الطائفية. وقد تكون كل من إيران وسوريا من فتحتا الطريق بدعم حزب الله، لكن لاعبين إقليميين آخرين، منهم إسرائيل (التي غزت لبنان في عامي 1978 و1982) ودول الخليج العربي الغنية بالنفط، استثمرت في النظام الطائفي.

وهكذا أخذ توجيه الدعم الأجنبي إلى حلفاء مختلفين يحصر التعاون بين الطوائف الدينية ليصبح في مستوى المجموعات النخبوية فحسب. في هذه الأثناء، استمر الإنفاق الحكومي، ليس فقط في تضخيم الديون المحلية الأجنبية، بل وفي التحول إلى اقتصادٍ فاسد يهيمن عليه منطق الزبونية الطائفية وليس التأثير المضاعف للمنافسة الرأسمالية ومركزتها للاقتصادي على السياسي.

فمتى بدأ الاستقطاب الطائفي للبنان من الخارج؟

تبلورت الآثار الاستقطابية للقوى الخارجية في لبنان في عام 2005 مع ظهور «تحالف 14 آذار» الموالي للولايات المتحدة والسعودية، و»تحالف 8 آذار» الموالي لإيران. وتبعَ ذلك مباشرة الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006، وحملة إيران المضادة التي تلتها لتوسيع وتعميق بصمتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

وحرّضت إيران من خلال تمويل حلفائها اللبنانيين على إقامة دولة داخل الدولة في شكل حزب الله، وهو ما مهّد الطريق لأزمة عام 2008، عندما حوّل الحزب سلاحه ضد اللبنانيين الآخرين. ومع ذلك، فإن هذا التطور أسفر في مواجهته عن مساعٍ جديدة لزعماء لبنانيين متنافسين وأصدقائهم الأجانب، لإيجاد طريقة للخروج من جُحر السياسة الطائفية العميق.

لكن تلك المساعي لم تشهد تقدماً كبيراً حتى مارس/آذار 2017، قبيل اعتزام الحكومة فرض ضرائب جديدة، ليخرج المتظاهرون إلى الشوارع مطالبين بوضع حدٍّ لأزمة تفاقم الفساد التي كانت قد طالت حتى مكتب رئيس الوزراء، حينذاك، سعد الدين الحريري.

ومع أن المتظاهرين كانت مطالباتهم تتمحور بالأساس حول قضايا اقتصادية، فإن المظاهرات أبرزت سخط الرأي العام المتزايد على النظام الطائفي نفسه. كذلك لم يُسفر إقرار قانون انتخابي جديد في يونيو/حزيران 2017، ينص على التمثيل النسبي، عن تغيير شامل في النظام. بل حافظت بنوده الملتفة على منطق الحصص الطائفية، ليفضي بعد ذلك إلى أن تنتج الانتخابات البرلمانية لعام 2018 برلماناً وحكومة ليسا أقل طائفية من سابقيهم.

ولـمّا كان الفائز الأكبر في تلك الانتخابات هم حزب الله وحلفاؤه الإيرانيون، فقد فشلت كافة المساعي الرامية إلى تشكيل حكومة جديدة مراراً وتكراراً مع فشل الأحزاب اللبنانية وأصدقائها الأجانب في تأمين منصب رئيس الوزراء لتشكيل حكومة جديدة.

أدّت الأزمة الحكومية الناتجة عن ذلك إلى تعميق المشاكل الاقتصادية في لبنان، مع التأكيد على الواقع الأساسي المتمثل في تفشي الفساد، وتردي مستوى الخدمات الحكومية، وتصاعد معدلات البطالة، ليعزز كل ذلك من المطالبات بعملية تغيير سياسي كبرى.

فهل هناك صراع إقليمي على لبنان الجديد

هناك سؤالان رئيسيان يواجهان لبنان اليوم

أولاً:  هل يمكن للبنان إجراء هذه العملية السياسية؟

ثانياً: إذا نجحت العملية فهل ستُسفر عن إنقاذ أم قتل المريض؟

ليس هناك زعيم لبناني يدرك مدى إلحاح هذه الأسئلة أكثر من الرئيس الحريري. وما يزيده هماً على همه، هو حقيقة أنه واقع بين حربين باردتين على الأقل. فهو محاصر في الداخل بين القادة المؤيدين لإيران، الذين يؤثرون استمرار الوضع القائم، وعلى الجهة الأخرى، مزيج من القادة المؤيدين للسعودية والولايات المتحدة و/أو الأوروبيين الذين يريدون تغيير النظام الحالي للعمل على الحدِّ من نفوذ طهران وحزب الله.

ولا يستطيع الحريري تحمل تكلفة التباعد عن السعوديين، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، على وجه الخصوص، والذي كان قد احتجز الحريري رهينةً فعلياً في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وهو ما يدل على مدى سخطه على ما تعتبره الرياض موقفاً منصاعاً تجاه إيران.

واصلت السعودية التعبير عن إحجامها عن التعاون وتحفظها على الحريري، في يناير/كانون الثاني 2019، عندما أعلن وزير المالية السعودي محمد الجدعان في «المنتدى الاقتصادي العالمي» (WEF) في دافوس: «نحن مهتمون برؤية الاستقرار في لبنان، وسندعم لبنان على طول الطريق». لكن هذا التصريح لم يأت سوى بعد أن تعهدت قطر بمبلغ 500 مليون دولار من أجل لبنان.

ولم يكن كافياً بالتأكيد إثناء الحريري عن العودة إلى منصب رئيس الوزراء في الشهر التالي. وأدى قراره بالعمل مع حكومة جديدة يسيطر عليها حزب الله إلى إنهاء أزمة أخرى في الحكم، ما يشير إلى أن رغبته في أن «نقلب هذه الصفحة ونبدأ العمل» (حسب تعبيره) تغلبت على مخاوفه إزاء عزل السعوديين.

وتشير زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بيروت -فضلاً عن لقائه مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الذي تعهد خلاله بتجديد الدعم الإيراني لحزب الله- إلى أن إيران تعيد تجديد دعمها لسياسة المحسوبية الطائفية رغم تصاعد مد معارضتها.

وصل هذا المد إلى مستويات جديدة، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، وترتب عليها مواجهة كل الأطراف المحلية والإقليمية الرئيسية لموجة من السخط الشعبي هددت بإغراق النظام السياسي بأكمله.

وفي محاولة لإنقاذ نفسه، ألقى نصر الله خطاباً عصبياً حاول أن يجعله متوازناً. ففي الوقت الذي أقر فيه بالمظالم الاقتصادية التي يقاسيها المتظاهرون، أكد أن الأزمة الاقتصادية في لبنان كانت نتاج 30 سنة من سوء إدارة الحكومات المتعاقبة. وأضاف: «جميعنا يتحمل مسؤولية» هذا الوضع. لكنه حذر بعد ذلك من «انفجار اجتماعي»، ملمحاً إلى أن حزب الله قد يرد عليه إذا خرجت الأمور عن السيطرة. وبعد أقل من أسبوع، زاد من متطلباته. إذ زعم نصر الله أن الاحتجاجات لم تعد «حركة شعبية عفوية». وإنما تمولها قوى أجنبية -بقيادة إسرائيل- تتآمر لإثارة حرب أهلية. وأكد بعدها أن حزب الله يرفض المطالبات باستقالة عون والحريري وأنه لن يسمح بإجراء انتخابات برلمانية جديدة.

وليس ثمة شك في أن موقفه المتشدد كان مدفوعاً جزئياً بالتقارير الإعلامية من معاقل حزب الله الجنوبية في صور والنبطية وصيدا، حيث أعلن شباب من الشيعة أنهم لم يعودوا خائفين من حزب الله. يقول رامي، وهو صاحب مطعم يبلغ من العمر 54 عاماً: «ما يحدث يثلج صدري. يوجد مسيحيون ومسلمون… وخلفي يمكنكم رؤية شيعة وسنة، نقف جميعاً معاً، ومتحدون».

يشكل هذا الخلاف معضلة صعبة لقادة الحزب ومؤيديه في طهران

وفي حال تواصل تجاهل المطالب أو الاستهانة بها، فقد ينضم المزيد من شباب الشيعة إلى المعارضة. لكن في حالة استمرار الخلاف، فقد يضعف ذلك حزباً مسلحاً يؤدي دوراً حيوياً في تمثيل سلطة إيران في المنطقة (ناهيك عن قدرتها على ردع إسرائيل عن ضرب المنشآت النووية الإيرانية). ليس من المستغرب إذاً أن يتهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إسرائيل والولايات المتحدة بـ «إذكاء الفوضى» في لبنان والعراق. كما دعا الرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس أركانه إلى وقف التدخل الخارجي في البلدين.

سيعتبر أنصار حزب الله (وأنصار الحركة الشيعية الأخرى في لبنان، أمل) مثل هذه الاتهامات مبرراً لاستخدام القوة. وبالفعل، في مدينة النبطية في الجنوب، هاجم رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية المتظاهرين الشيعة وأصابوهم. فضلاً عن ذلك، بعد ورود تقارير تفيد بأن رجل دين شيعي واحد على الأقل قال لأحد الحشود «دينكم بينكم وبين الله»، أصبح لدى قادة حزب الله سبب للشعور بالقلق إزاء الانشقاقات في الحزب، فضلاً عن مخاوفه إزاء إعراض شباب الشيعة عن أيديولوجيته الإسلاموية.

 أصبحت احتمالات حدوث انقسام واسع داخل الطائفة الشيعية قوية

وبعد انضمام الأخير إلى طبقة متوسطة نالت كفايتها من الفكر الديني والطائفي، أصبحت احتمالات حدوث انقسام واسع داخل الطائفة الشيعية قوية. ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر -والمفارقة- للبنان بأكمله هو أن المظاهرات قد تشعل حرباً أهلية شاملة. فبعد إدانة المتظاهرين لنصر الله وإصرارهم على أنه يجب أن يرحل أيضاً، قد يخلص قادة حزب الله وشركاؤهم في طهران إلى أن الحزب يجب أن يلجأ إلى المزيد من القوة، حتى لو كان هذا يعني المخاطرة بإغراق لبنان مرة أخرى في أتون الحرب الأهلية. ولا شك أن نصر الله سيحاول تفادي هذه النتيجة المريعة. وفي الواقع، لقد خفف بالفعل من حدة خطابه، ودعا إلى حكومة جديدة «ينبغي أن تستمع إلى مطالب الشعب». ولكن ربما يكون الهدف من هذا النوع من المناورات التكتيكية كسب الوقت. وعلى كلٍّ، يواجه حزب الله شكلاً من الانتفاضة الشعبية ستتركه أمام خيارات مزعجة، أحدها أسوأ من الآخر.

هل الثورة السياسية ممكنة أم مستحسنة؟

ويقول دانيال برومبرغ يجب على المحتجين اللبنانيين التعامل مع ثلاث مهام إذا استمرت التظاهرات.

الأولى: هي وضع خطة فعالة لتقديم تغيير ديمقراطي حقيقي تحت رعاية قيادة موثوقة. وفي هذا الصدد، تتمثل المشكلة التي يواجهونها في أنه حتى الإصلاح الانتخابي الأكثر حرصاً لن يمنع عودة الأحزاب الطائفية.

أما التحدي الثاني: فهو أن الجماعات الدينية الأخرى قد لا تحبذ إجراء إصلاح شامل للنظام. إذ يشير خروج  الآلاف من أنصار عون إلى الشوارع في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وزعمهم أنه «ليس فاسداً ولا لصاً»، وإصرارهم على أنه يجب أن يظل في منصبه، إلا أن استقالة الحريري لم تفعل شيئاً سوى أنها زادت من حدة الخلافات بين تلك الجماعات التي تسعى إلى التغيير الثوري وأولئك الذين يدعمون إجراء إصلاحات محدودة.

ثالثاً وأخيراً: لا بد أن يعتمد المحتجون على جيش رغم وحدته الواضحة وطبيعته غير الطائفية، محصور بين المتظاهرين وميليشيا شيعية أقوى بكثير «حزب الله». وإذا عَلِق الجيش في موقف يخسر فيه جميع الأطراف، فلا يمكن الاعتماد عليه للدفاع عن المحتجين بأي تكلفة.

وزادت إدارة ترامب من سوء الأمور بتعليقها مساعدات تبلغ قيمتها حوالي 105 ملايين دولار للجيش اللبناني إلى أجل غير مسمى. وإذا كان البيت الأبيض يعتقد أنه بذلك يضغط على الحكومة لتلبية مطالب المحتجين بتعيين حكومة تكنوقراط، فقد يخيب أمله. لأن تعليق المساعدات يزيد من صعوبة تعبئة الجيش اللبناني للأدوات والدعم  اللازمين ليصبح نداً لحزب الله.

لكن المشكلة الأهم هي أنه لا يمكن لأي قوة أو جماعة داخل لبنان أو خارجه التنبؤ بما سيحدث إذا حاولت البلاد التخلي عن كل مظاهر السياسة الطائفية. ففي عصر تتنامى فيه العقيدة القومية ويشهد تراجعاً في الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم، تشير الاحتجاجات الصاخبة في لبنان والعراق والسودان والجزائر إلى أن المطالبة بتحقيق الديمقراطية والتعددية قد تتوسع في بعض البلدان العربية، في الوقت نفسه الذي يخسر فيه الغرب ميزاته. ولا شك أن العقبات المحلية والإقليمية التي تعترض الثورة السياسية لا تزال قوية لأن الانقسامات الطائفية والدينية والأيديولوجية لا تزال حاضرة بقوة، ولأن صراعات الهوية لا تزال تخدم مصالح القوى والدول القوية في الشرق الأوسط.