//Put this in the section

أنتم بريئون من تهمة واحدة، في سجلّ محشوّ بالأخطاء – بقلم كاتيا سعد

شكراً إلى كل سياسي دون استثناء، لأنه أعاد إليّ شغف التحدّث بالسياسة وبحماس ؛ حتى أنني استعدتُ الكتابة (ولو مؤقتاً) ببعض النفحة السياسية ضمن إطار “فشة خلق”، بقلم حرّ دون الالتزام بنقل تصريحاته أو أجوبة هي غالباً لا تروي قناعتي…
هذا أولاً، شكراً..

أما ثانياً، سأقول لك أنك بريء من تهمة غربتي. أنا يوم اتجهت إلى باريس، كان من تلقاء ذاتي، من أجل متابعة دراستي.. واليوم بعد 12 سنة ما زلت بريئاً يا أيها السياسي من غربتي لأنّ الغربة ما تزال خياري..
هل ترى روحي المتفائلة والمحقة؟ هذا من صُنع وطني لبنان وليس من صُنع منصبك..




ولكن.. أنت يا أيها السياسي متّهم بسلسلة أخطاء “فادحة” بحق الوطن والمواطن على حدّ سواء. لن أدخل في تفاصيل تاريخ لبنان وكيفيّة التلاعب به وكأنه طابة على طاولة بينغ بونغ ؛ ولن أستعيد مضامين الحرب الأهلية ؛ ولن أعيد طرح سلسلة الاغتيالات التي بدأت أواخر عام 2014 ؛ ولن أسلّط الضوء على لائحة القرارات “الفاسدة” التي تتلوها وسائل الإعلام وتجيّش عقول اللبنانيين الواعية والمنطقية ؛ لا ولن أعدّد كل المشاريع التي أخفقت في نهوض اقتصاد لبنان وكانت وسيلة لإغراقه في الدين وساهمت في زيادة حساباتكم المصرفية.

سأكتفي كمواطنة لبنانيّة، قبل أن أكون صحافيّة، بأن أقول لكم” كفى استخفافاً بعقول تتسلّح بالعلم، لكي تؤمّن مستقبلها في بلد غابت عنه أدنى الحقوق”..
وسأقول لكم كمواطنة لبنانيّة، قبل أن أكون مواطنة فرنسيّة، دعونا نتهنّى بجواز سفرنا اللبناني الذي يكلّفنا “ثروة” مقارنة بجواز سفر باقي دول العالم..

هل تعلم يا أيها السياسي لماذا لا أنتخبكم؟ ببساطة لأنّ يدي ما اعتادت أن تكتب ما لا يعبّر عنها، وهي لا تطاوعني حتى بإسقاط ورقة بيضاء في صناديقكم، وإن كان معنى هذه الورقة “أنا لست مقتنعة بأيّ منكم”.. يكفيني أنني أؤمن بلبنان الوطن، وما من خطة سياسية حتى اليوم أقنعتني..
بالتأكيد بتّ تعلم يا أيها السياسي بأنّ القرار “الشهير” بفرض الضريبة على الواتس-آب ليس هو من أشعل الثورة، وإنما على حدّ قول المثل الفرنسي
C’est la goutte d’eau qui fait déborder le vase
(هو نقطة الماء الذي جعلت الإناء يفيض)
فكان أن “انتفض شعب لبنان” يوم “طفح الكيل”، وبات الحِمل ثقيلاً.. أخطاؤكم كثيرة، بل لا تُعدّ وتحصى.. فلنستعرض البعض منها:

أنتم تحرمون المواطن من العيش، يوم تحرمونه من ضمان الشيخوخة، فمن البديهي أن يحتاج الإنسان الطبابة يوم يصبح متقدماً في السن، أم لا؟

أنتم تشعرون المواطن بأنه فاشل، يوم تتقدّم “الواسطة” على الشهادة والكفاءة في كسب وظيفة ما، أم لا؟

أنتم تحرقون روح الوالدين آلاف المرّات، وهم يبكون في كل مرة يودّعون ابنتهم/ابنهم الذي اضطرّ إلى الهجرة قسراً، أم لا؟

أنتم تدمّرون ثقة المواطن بكم، يوم تقدّمون مشاريع انتخابية “خلاّبة” أثناء الانتخابات وتبقى حبراً على ورق، أم لا؟

أنتم تساهمون في تيتيم أطفال، عندما يسقط شهداء بسبب مندسّين، أم لا؟

أنتم تقتلون حرية الرأي، عندما تهدّدون أو تسجنون أي مواطن اعتلى منبره الخاص على وسائل التواصل الاجتماعي، لمجرّد أنه عبّر عن رأي “مخالف” لكم، أم لا؟

أنتم تزورون دول الخارج وتطّلعون على كافة قوانينها، أليس منطقياً أن تجذبكم الاستعانة ببعض قوانينها، أم لا؟

هل تعلم يا أيّها السياسي؟ أنا غداً إذا قرّرت العودة إلى لبنان، كما سواي من المغتربين، سيكون في جُعبتي، حقوقاً مترسّخة في ذهني، وهي من البديهيات في نمط حياتي.. ستضطرّني في أكثر من موقف، خاصة في الدوائر الحكومية، أن أستعين بنظام اقامتي في الخارج.. وأنا في الواقع لست مضطرة إلى التبرير، أو يفترض أن أستبق الموضوع وأتوجّه إلى المكان وفي حوزتي “واسطة” تليق بوجهتي، أم لا؟

هل تعلم يا أيّها السياسي؟ أنا اليوم، في الخارج، لا أشتاق إلى قوانينكم، بل أشتاق إلى أهلي وتربيتهم لي على احترام لبنان وعدم التنكّر للبنانيّتي.. أشتاق إلى نمط حياتي في لبنان وجلساتي مع رفاقي التي لم أجد لروحها مثيلاً في أي مكان..

أنا من أقول وأردّد أنه في كل بلد ثغرات، ولكن على الأقل ثمة ضمانات.. وإن عشنا مظاهر معينة من الفوضى، ولكن على الأقل فهي مضبوطة.. أنا لا أتذمّر من دفع الضرائب لأن ثمة مقابل.. أنا يُحسم من راتبي مبلغاً (ليس بالقليل أبداً) من أجل الطبابة والتقاعد وغيرها من الحقوق والتي ألتمس فائدتها..

فلتلتفت قليلاً يا أيّها السياسي إلى حياة المواطن، عقله، قلبه وحتى إلى محفظته.. ولتغضّ النظر قليلاً عن الفائدة التي ستعود إليك، إلى عائلتك، إلى منصبك وحتى إلى حسابك المصرفي… ليس عيباً أن نخطئ فكما قيل “الخطأ هو من فعل البشر”، ولكن “التراجع عن الخطأ فضيلة”، أم لا؟