//Put this in the section
راجح الخوري

تنظيف البيت بالممسحة الوسخة؟ – راجح الخوري – النهار

طبيعي جداً ان تبقى المصارف مقفلة، فليس هناك بين مديريها وموظفيها من أكمل دورة تدريب في الملاكمة، أو جاء من المغاوير أو من المارينز، هؤلاء أناس طيبون ودمثون، وتفرض عليهم أصلاً قواعد مهنتهم وطبيعتها، ان يكون لهم أحياناً صبر أيوب، خصوصاً انهم يمكن أن يقابلوا زبوناً واقعاً في الإفلاس وعاجزاً عن دفع مستحقاته فيصل غاضباً ومنهاراً فيهدئون ثورته، وأحياناً يقابلون زبوناً منفوش الريش متشاوفاً وفظاً لأنه أودعهم قبضة من الدولارت، فعليهم نفخه أكثر!

كل هذه المقدمة ليست لتبرير إقفال المصارف والإنهيار الناتج أصلاً وفصلاً من الأزمة الاقتصادية القاتلة، التي أوصلتنا إليها هذه الطبقة السياسية الغارقة في الفساد والنهب والسمسرة والسرقات، والتي جعلت القطاع العام يتوّرم توظيفات وتنفيعات ومخصصات ومحاصصات وسرقات، وتعودت الإتكاء على القطاع الخاص وودائع الناس في المصارف، لكي تسدد ديونها وفوائد ديونها.




لا، ليست المشكلة لا عند المصارف ولا عند موظفي المصارف، المشكلة عند الدولة الفاشلة والفاسدة والسارقة، ليست المشكلة عند رياض سلامة الذي حمى الليرة وحرص على إنتظام دورة النقد في أصعب الأوقات وأدق الظروف!

وها هي الدولة في ما تعتبره ورقة إصلاحية تريد الإتكاء من جديد على المصرف المركزي المتحوّط سلفاً، لكي تسدد ما يستحق عليها من فوائد ديونها الفاضحة، بما يعني ضمناً وتكراراً أنها تأكل أموال الشعب وودائعه في المصارف، المتهمة زوراً بجني الفوائد الباهظة، وهو ما لم يكن ليحصل لو كنا في دولة متوازنة وعاقلة ونظيفة، تعرف ماذا تجبي لكي تصرف، لكننا أمام دولة المساخر التي تقرر مثلاً سلسلة رتب ورواتب، لكن دون الدرس أو الفكير في طريقة تأمين المداخيل التي تكفل تغطية السلسلة، التي ستتحول مشنقة إصافية على عنق المواطن!

قبل شهرين طلب الرئيس سعد الحريري من كل وزارات الدولة ومؤسساتها إيداعه عدد الموظفين عندها في خلال 15 يوماً، وحتى الآن نحن دولة لا تعرف عدد موظفيها، والد لا يعرف عدد أبنائه في البيت الخراب!

ليس من متسع للمضي في هذا، فالبلاد على كف عفاريت، ولبنان منقسم بالسكين بين شعب يطالب بمحاسبة المستوى السياسي المسؤول عن الكارثة المتعاظمة منذ أعوام، ومستوى سياسي يعمل لحسابات شخصية، وبعضه يخطط لدفع الناس الى الإنقسام، بعدما توحدوا وطنياً وخلعوا جلودهم الطائفية، ولا يتورع هذا البعض عن محاولة افتعال المشاكل وسفك الدم لإعادة البلاد الى المتاريس والحرب الأهلية!

لماذا التمسك بتشكيل حكومة سياسية أو تكنوسياسية، هل لأن السلطة التنفيذية لا يمكن ان تعمل الا بمواهب هؤلاء السياسيين الذين صنعوا هذا الخراب، أم لأن السياسيين يخافون من ان تأتي حكومة إختصاصيين أكفياء من خارج الأحزاب، توقف الإنهيار وتفتح صفحة جديدة للجمهورية الثالثة، وتبدأ بمحاسبة الفاسدين والذين نهبوا البلاد والعباد، بما يعني ان كل ما نسمعه من شعارات عن محاربة الفساد يجب ان يبقى كلاماً لتخدير الشعب، لأن الذين سرقوا، لن يحاسبوا أنفسهم ويقطعوا أيديهم القذرة؟

الرئيس ميشال عون يقول إن شطف الدرج يبدأ من فوق الى تحت، ولكن هناك من لا يريد لا الشطف ولا حتى الكنس، وهناك من هو على استعداد لشطف الدرج بالدم، وبرنارد غبريال من “تاسك فورس” قال للسياسيين عندما زار لبنان قبل أشهر، إنه لا يمكن تنظيف البيت بالممسحة الوسخة، لكننا ندور في حلقة خطرة ومتفجرة، بين شعب يريد حكومة إختصاصيين للتنظيف، وأحزاب تريد عدم تغيير الممسحة!