//Put this in the section

المساعدات مقابل «التكنوقراط».. لماذا يربط المجتمع الدولي بين تشكيل الحكومة والتدخل لإنقاذ لبنان؟

معاناة الاقتصاد اللبناني لم يتسبب فيها الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد منذ ما يقرب من الشهر، لكن التقارير الواردة من الداخل والخارج تشير إلى أن الأمور وصلت لدرجة خطيرة تهدد بانهيار تام، فهل تتدخل دول الخليج والمجتمع الدولي لإنقاذ الاقتصاد اللبناني؟ ولماذا ينتظر الجميع تشكيل حكومة تكنوقراط كما يطالب المتظاهرون؟

ماذا حدث؟

أمس الثلاثاء 12 نوفمبر/تشرين الثاني ناشد الرئيس اللبناني ميشال عون جيران لبنان من العرب أن يتدخلوا لإنقاذ اقتصاد بلاده قبل أن ينهار، بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ الأمريكية بعنوان: «اقتصاده في أزمة، لبنان يناشد جيرانه العرب مرة أخرى».




وعقد عون لقاءً مع سفراء الدول العربية في بيروت لمناقشة الاحتجاجات، وكان ذلك قبل حواره التلفزيوني الذي طالب خلاله المتظاهرين بالعودة لبيوتهم ورفض تشكيل حكومة تكنوقراط، مفضلاً أن تكون مناصفة بين السياسيين والتكنوقراط (تكنوسياسية).

ماذا تعني حكومة تكنوقراط؟

حكومة تكنوقراط تعني اختيار الوزراء على أساس التخصص والكفاءة بعيداً عن نظام المحاصصة الطائفية المعمول به في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1990. المحاصصة تعطي رئاسة الجمهورية للمسيحيين الموارنة ورئاسة البرلمان للمسلمين الشيعة ورئاسة الحكومة للمسلمين السنة، والحكومة المستقيلة كان يرأسها سعد الحريري واستقال نزولاً على رغبة المتظاهرين الذين يطالبون برحيل الطبقة السياسية بالكامل «كلن يعني كلن» بعد أن وصلت الأمور المعيشية في لبنان إلى درجة لم يعد يتحملها غالبية الشعب.

وبعد مرور أسبوعين على استقالة الحريري لا تزال الأمور تراوح مكانها، حيث يرفض فريق العهد (التيار الوطني الحر بقيادة وزير الخارجية جبران باسيل أحد أكثر الوجوه المكروهة بين المتظاهرين وهو أيضاً صهر الرئيس عون وحركة أمل وحزب الله والتيار العوني) تشكيل حكومة تكنوقراط تبعد حزب الله عن حقائبها الوزارية، فيما يرفض سعد الحريري الموافقة على تشكيل حكومة جديدة قبل حسم تلك النقطة.

لماذا يرفض فريق حزب الله حكومة التكنوقراط؟

منذ اندلاع المظاهرات الخميس 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كان موقف حزب الله وحلفائه (نبيه بري رئيس البرلمان وزعيم حركة أمل وعون وباسيل) يرفضون بشكل حاسم استقالة الحكومة أو أي مسؤول آخر، وهدد حسن نصرالله زعيم الحزب بمحاكمة من يقدم على الاستقالة، وكرر عون أمس رفض تشكيل حكومة تكنوقراط وخلال حواره رفض استبعاد حزب الله من تشكيل أي حكومة.

رفضُ حزب الله وحلفائه الاستجابة لمطالب المتظاهرين تشكيل حكومة تكنوقراط يرجع لأسباب سياسية تتعلق بموقف حزب الله الإقليمي والدولي، فحزب الله مصنف كمنظمة إرهابية من جانب الولايات المتحدة وخروجه من الحكومة اللبنانية سيضعف موقفه داخلياً وإقليمياً، وهو ما يفسر تمسك حزب الله وحلفائه بموقفهم.

جبران باسيل أيضاً له أسبابه فنزوله على رغبة الشارع الثائر يعني نهاية طموحه السياسي وهو الطامح لأن يصبح رئيساً للبنان بعد انتهاء ولاية عون في 2022، وبحسب التقارير الإعلامية حول اللقاء الذي تم بين باسيل والحريري فقد تمسك الأول بوجوده في أي حكومة يرأسها الحريري أو أن يشكل الحكومة رئيس وزراء آخر.

هل تتدخل دول الخليج لإنقاذ الاقتصاد؟

عندما نتحدث عن دول الخليج فالمقصود هنا السعودية وهي كانت الداعم الرئيسي للاقتصاد اللبناني منذ توقيع اتفاق الطائف، ولكن ما حدث منذ تشكيل الحكومة الحالية المعروفة بالعهد القوي تغيرت الأمور ورفعت السعودية يدها عن لبنان ووصلت الأمور إلى إجبار سعد الحريري على تقديم استقالته من الرياض أثناء احتجازه هناك قبل عامين.

من غير المتوقع إذن أن تتدخل السعودية لإنقاذ لبنان إلا إذا تشكلت حكومة تكنوقراط وتم تقليص نفوذ حزب الله ذراع إيران القوي هناك، وهي المعضلة التي لا يبدو لها من مخرج حتى الآن، خصوصاً أن المجتمع الدولي يتبنى الموقف نفسه تقريباً.

فقد حثت الأمم المتحدة لبنان على تشكيل حكومة جديدة تتسم بالكفاءة بما يمكنها من طلب المساعدات الدولية، محذرة من أن البلاد في وضع مالي واقتصادي حرج، وتقول مصادر سياسية إن الحريري يرغب في أن يكون رئيس وزراء لحكومة من التكنوقراط يعتقد أنها ستكون في وضع أفضل للحصول على الدعم المالي الدولي.

تشكيل حكومة تكنوقراط إذن المقصود منه تقليص نفوذ حزب الله وتأثيره في تشكيل السياسات الاقتصادية للحكومة اللبنانية، ويبدو أن السعودية والمانحين الدوليين ينتظرون تحقيق ذلك قبل ضخ أموال جديدة لإنقاذ الاقتصاد اللبناني.

هل هي الأزمة الأسوأ؟

الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان حاليا هي الأسوأ منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها في الفترة من 1975 إلى 1990، وتصاعدت حدة الاضطرابات في البلاد منذ تفجر الاحتجاجات يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول.

أغلقت البنوك أبوابها بعد إضراب الموظفين والسبب المعلن هو تعرض الموظفين لمضايقات من العملاء والمحتجين، ولكن التقارير الاقتصادية وشهادات المودعين تشير إلى فرض قيود على التحويلات المالية وسعي المودعين لسحب أموالهم، ما أجبر المسؤولين على اتخاذ قرار بإعادة إغلاق البنوك.

لذلك حث عون اللبنانيين على ألا يهرعوا إلى البنوك لسحب الأموال، التي قال إنها آمنة: «أطمئن اللبنانيين ألا يركضوا نحو المصارف، فأموالهم مضمونة وستصلهم كاملة وسنعالج هذه الأزمة».

وأسهم حديث عون التلفزيوني في توتير الأجواء أكثر، حيث لم يأتِ بجديد بل أشار إلى عدم حدوث انفراجة في المحادثات بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، مؤكداً أن حكومة التكنوقراط التي يطالب بها المحتجون لن تكون قادرة على حكم لبنان ويجب أن تضم عدداً من السياسيين.

وألقى عون باللائمة على ما تعاني منه لبنان من أزمة طاحنة على المتظاهرين قائلاً: «إذا ستكملون هكذا سوف تضربون لبنان وتضربون مصالحكم. مصالحكم بتروح وبنروح معها وأنا أضعكم أمام هذا الخيار. نحن نعمل ليلاً ونهاراً لنرتب الوضع وإذا بقيوا (ظلوا) مكملين في (ستحدث) نكبة وإذا توقفوا مازال هناك مجال لأن نصلح».

لذلك كان طبيعياً أن يتسبب حديث عون في زيادة غضب المحتجين، فما إن انتهى منها حتى أغلق محتجون عدة طرق رئيسية في أنحاء لبنان بعضها بإطارات سيارات مشتعلة.