//Put this in the section

انسحاب وفراغ – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

قد يكون أحد أصعب الأمور السياسية قراءة اليوم هو موقف السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العالم عموماً، وبالأخص تحديداً في منطقة الشرق الأوسط. هناك تضارب واضح في القرارات والسياسات، خصوصاً فيما يتعلق بالملف السوري والعراقي. إلا أن الخلاصة الواضحة هي أننا نشهد «انسحاباً» و«أفولاً» للدور التاريخي الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، الذي بدأ بحراك الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت لملء الفراغ الناتج عن اضمحلال الوجود البريطاني والفرنسي الاستعماري في المنطقة، وصولاً إلى مرحلة دونالد ترمب الحالية.

إلا أنه يبدو أن الرئيس ترمب الرجل المعروف بالمواقف غير المتوقعة لديه مفاجأة لإيران. سياسة التضييق المالي العنيف، بالعقوبات الاقتصادية الحادة وغير المسبوقة على نظام إيران وأذرعته المتطرفة في العراق ولبنان وسوريا والتي بدأت نتائجها تظهر على الأرض مع تردي الأوضاع المعيشية في هذه البلدان، وكشف ملفات فساد حكومات تابعة لإيران وفشلها في تحسين الأوضاع المعيشية فيها.




الروس بدأوا في إدراك الخطر، وأبلغوا إيران و«حزب الله» أن الهيكل اللبناني يتساقط، وأن الغطاء السياسي والاقتصادي والمالي الدولي والإقليمي قد تجمد، إذا ما استمر «حزب الله» متسيداً المشهد السياسي والاقتصادي في لبنان، وهذا يعني حرفياً توقف الدعم المالي الأميركي والفرنسي والأوروبي والسعودي والإماراتي. التسوية السياسية القديمة لا يمكن أن تعود مجدداً لأن الثمن سيكون مخيفاً جداً.

لبنان أمام مفترق طرق مصيري. يكون أو لا يكون. وهناك تسريبات أن الاتفاق التجاري الكبير المنتظر بين الولايات المتحدة والصين سيكون له شرط جانبي، وهو تخلي الصين عن إيران (وهي مسألة زادت تداولاً بعد انسحاب الصين المفاجئ من أكبر المشاريع النفطية في إيران مؤخراً ودون تفسير)، بل إن أميركا قدمت لها «جزرة» إغراء مقابل ذلك في دعم واضح لمشروعها الحلم، الحزام الواحد الطريق الواحد، وهي تلزيم الشركات الصينية لميناء طرابلس ومطار رينيه معوض وتوسيع مصفاة طرابلس بما يوفر مبلغ 700 مليون دولار أميركي سنوياً، مع التأكيد على أن الصين أبدت أيضاً جاهزية فورية لإنشاء مصرف عملاق في لبنان برأس مال يبلغ 3 مليارات دولار.

هناك تنافس واضح على محاولة ملء الفراغ الأميركي الذي قد يحدث في الشرق الأوسط. روسيا تتحرك بقوة دبلوماسياً وعسكرياً إلا أن تواضعها الاقتصادي يجعلها لاعباً غير مؤثر بالمطلق إلا في حالات محددة. الصين على النطاق الآخر مهتمة «فقط» بالمكاسب الاقتصادية وتمتنع تماماً عن اتخاذ أي موقف مثير للجدل على الصعيد الأمني والعسكري أو حتى الدبلوماسي.

أوروبياً هناك عودة خجولة عن طريق فرنسا وألمانيا في الملفات الحقوقية والقانونية مع عدم إهمال للمكاسب الاقتصادية التي من الممكن الحصول عليها، مع التذكير أن بريطانيا قد انسحبت تماماً من المنطقة وباتت مشغولة بهمومها السياسية الداخلية، وإيجاد البديل المناسب للاتحاد الأوروبي بعد خروجها منه. أميركا حتى بانسحابها تؤثر في المشهد السياسي مع عدم إغفال أننا في سنة انتخابية رئاسية، وترمب يتعرض لاستجوابات بخصوص عزله.