//Put this in the section

”حلم” مكافحة الفساد… هل نقترب من المحاسبة؟

اسكندر خشاشو – النهار

منذ تشكيل الحكومة السابقة ازداد الكلام عن الفساد ومكافحته، ويكاد لا يمرّ خطاب لسياسي إلاّ ويَذكر فيه مكافحة الفساد، وأجمعت كل القوى على الشروع بمكافحة الفساد، ولكن بقيت الأمور تراوح مكانها من دون تسجيل خطوة واحدة توحي بإمكانية الشروع جدياً بالموضوع، لا بل استمرت الفضائح تتوالى، منذ شتاء العام الماضي، فانهارت البنية التحتية اللبنانية بشكل شبه كامل، بدءاً من ملف السدود وما شهدته الجلسة الاخيرة لمجلس النواب في ما خص سد بريصا، مروراً بملف الجمارك، وصولاً إلى ملف الليطاني والتوظيف العشوائي غير القانوني، وملف وزارة الاتصالات، وغيرها من الملفات التي لا تعدّ ولا تحصى، من دون أن نشهد ولو استدعاءً واحداً أو حكماً واحداً.




وبعد اندلاع الانتفاضة اللبنانية في 17 تشرين الاول، نزل الناس إلى الشوارع وطالبوا بمعاقبة الفاسدين، وعادت نغمة مكافحة الفساد من القوى السياسية نفسها، وأضحى الجميع مهتماً بهذا الموضوع، وتحرك القضاء بشخص المدعي العام في جبل لبنان غادة عون بخصوص القروض المعفاة المعطاة للرئيس نجيب ميقاتي وشركاته، استُتبع بقرارات من المدعي العام المالي كان أهمها استدعاء الرئيس فؤاد السنيورة للتحقيق معه بملف الـ11 مليار دولار؛ ولإضفاء الجدية، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري إطلاق ثورة تشريعية لمواكبة الحراك المدني بإقرار مشاريع قوانين أولها إقرار المرسوم 5272 المتعلق بقانون مكافحة الفساد، اقتراح قانون إنشاء محكمة للجرائم المالية، ومرسوم 4303 (قانون ضمان الشيخوخة)، إضافة إلى اقتراح قانون معجل مكرر يتعلق بالعفو العام، والذي خلق سجالاً حول مواده، إذ كان يشمل جرائم استغلال النفوذ والوظيفة والإهمال وتبديد المال العام والجرائم البيئية وغيرها، وهو بالتالي يقضي على أية إمكانية للمحاسبة، وهذا ما نفاه مقدّمو القانون، مؤكدين أن هذه الجرائم إضافة إلى جرائم كثيرة أخرى كالاعتداء على الأملاك العامة، غير مشمولة بهذا القانون، بالإضافة إلى إحالة مشاريع قوانين رفع السرية المصرفية، وغسل الاموال، واسترداد الاموال المنهوبة، إلى اللجان المشتركة، مع وعد بعقد اجتماعات متلاحقة لهذه اللجان لرفعها إلى هيئة المجلس بأسرع وقت ممكن.

تُجمع الأحزاب اللبنانية المشاركة في السلطة استعدادها لتبني القوانين المقدمة لمكافحة الفساد، ورفعها الغطاء عن أي مرتكب أياً كان شأنه، وهذا ما أكدته جهات قريبة من “حزب الله” التي كشفت لـ”النهار” أن عمل نواب الحزب سينحصر بالفترة المقبلة على موضوع أساسي له علاقة برفع الحصانة الدستورية والقانونية عن الوزراء، لأن هناك حصانات طائفية ومذهبية من المفترض أن يطالب الناس بوضع حدّ لها، وقد تقدم نواب الحزب باقتراح قانون بهذا الموضوع لا سيما في ما يتعلق بالتعديل الدستوري، مشيرة إلى أن الهيئة العامة لمجلس النواب مطالبة بأن تقر رفع الحصانات، وأن تترك القضاء المختص ليحاكم الوزراء الذين تحوم حولهم شبهات واتهامات، لا سيما وأن بعض القضاء يتذرع بأنه لا يستطيع أن يحاكم الوزراء السابقين، بل يستدعيهم ويسمع أقوالهم فقط، وهذا من اختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء الذي ما زال معطلاً، إذ لم يتم تعيين قضاة فيه إلى حينه، وهو بحاجة إلى ثلثي مجلس النواب”.

وسألت المصادر: “لماذا لا يتم تجميد أملاك وحسابات الذين مرّوا على السلطة؟ وهناك من تقدم بهذا الاقتراح، و”حزب الله” يؤيد كل شخص يقدم اقتراحاً يسهم في استعادة الأموال المنهوبة، كما يجب على كل شخص عمل في الدولة اللبنانية ولديه ثروات، أن يتم الحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة، في الداخل والخارج، لا سيما وأن كل مسؤول عندما تولى الشأن العام قدّم إلى الجهة المختصة كشفاً عن أملاكه وأمواله، وعليه أن يثبت من أين أتت الفروقات”.

يلاقي “التيار الوطني الحر” طرح “حزب الله” الذي أكد التزامه التام بكلمة رئيس الجمهورية التي هي مشروعه السياسي، وهذا ما يطالب به منذ دخوله إلى السلطة، مشدداً على أن عمله التشريعي سينحصر بالضغط على إقرار قوانين مكافحة الفساد وعلى رأسها: رفع السرية المصرفية، رفع الحصانة، استرداد الأموال المنهوبة والتشدد في إنزال العقوبات على الفاسدين، ملمحاً في هذا الإطار على قانون العفو الذي وُضع على جدول أعمال الجلسة التشريعية.

وشدد على وجوب رفع السرية المصرفية على كل الذين يتولون إدارة الشأن العام، من رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة والوزراء والنواب”.

وعن الاقتراحات الأخرى، أجاب المصدر أن السرية المصرفية تمنع القاضي أو المحقق من الوصول إلى الإثبات الذي يدين أو يبرِّئ، أما الحصانة فتمنع القاضي من الشروع في عملية التحقيق لأن الوزير أو رئيس الحكومة أو كل شخص لديه سلطة الوصاية لا يعطي الإذن بالملاحقة، أما بالنسبة إلى قانون استعادة الأموال المنهوبة فهو عند الوصول إلى الإثبات بالإدانة نكون أمام قانون يحدد آليات استرداد الأموال التي ثبت عليها بطريقة غير شرعية.

وأعاد التأكيد، وبحزم شديد، أن لا حصانة على أي مرتكب في حال ثبوت الإدانة عليه، حتى وإن كان حزبيا،ً نائبا،ً وزيراً، مديراً أو موظفاً، لافتاً إلى أن “التيار هو تيار شعبي واسع ويمكن أن يكون بين أعضائه موظفون فاسدون، وعلى القضاء محاسبتهم، وسنكون أول من يطلب محاسبتهم”.

بالإضافة إلى مشاريع القوانين المقدمة، كشفت مصادر مقربة من رئاسة الجمهورية عن ملفات موجودة في القضاء حالياً، وسيتم السير بها حتى خواتيمها ومحاسبة المرتكبين وهي: ملاحقة هدر الأموال في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ملف تطويع تلامذة الضباط في الكلية الحربية، هدر المال العام في السوق الحرة في مطار رفيق الحريري الدولي، ما سمح بزيادة حصة الدولة في حق الاستثمار من 15 مليون دولار إلى 110 ملايين دولار، هدر الاموال العامة في كازينو لبنان وفي شركة انترا، ملفات هيئة السير والبارك ميتر، ملف فيضان المياه في بيروت واختلاطها بمياه الصرف الصحي، فتح ملف الأدوية وأسعارها، ملاحقة عدد من المخالفات الجمركية، ملف أوجيرو بعد رفض عقود المصالحة، ملف المعاينة الميكانكية، ملف أحد السجون الذي تم تخفيض تلزيم إنشائه بقيمة 200 مليون دولار.

في المقابل، أكد مصدر في تيار “المستقبل” أن “التيار” سيواكب حملة مكافحة الفساد بتفاصيلها كافة، وهو سبق وتقدم بعدد من القوانين وخصوصاً في ما يتعلق بملف الجمارك والحدود والمرفأ وضبط التهريب وسيطرة الدولة على هذه القطاعات، “فالجميع يتكلم عن ضبط التهريب وخصوصاً في المرفأ والمطار”، والذي أضحى الجميع على علم بأنها ليست تحت سيطرة الدولة وأن فئة معينة تسيطر عليها، وما يمكن أن تدرّ على الدولة”.

لكن المصدر حذّر في الوقت نفسه من “محاولة لتوجيه ما يحكى عن ملفات الفساد نحو جهة واحدة، وتحميلها مسؤولية المرحلة الماضية، وبشكل أوضح، تحميل “الحريرية السياسة” مسؤولية انهيار البلد، وهذا نراه تصويباً سياسياً وليس مكافحة الفساد، أما عندما تسري الأمور على الجميع، فسنتقدّم على غيرنا”.