//Put this in the section //Vbout Automation

ثورة مضادّة لتقسيم ساحات الانتفاضة!

ابراهيم حيدر – النهار

خرج اللبنانيون في 17 تشرين الأول إلى الشارع مطالبين بإسقاط السلطة الفاسدة واستعادة الأموال المنهوبة. دفعهم الغضب والوجع إلى حد الإختناق من التسلط، واثبتوا للمرة الأولى في تاريخ الوطن أنهم موحدون وقادرون على تجاوز الاصطفافات الطائفية والمذهبية. وفي الأسبوع الرابع لانتفاضتهم، اسقطوا كل الاتهامات وما يحكى عن مؤامرات في انتفاضتهم تستهدف البلد، وتمكنوا ايضاً من منع التوظيف السياسي لها، فيما السلطة بقواها السياسية دفعت المزيد من اللبنانيين إلى المشاركة في الثورة بسبب تعنتها ومماطلتها في خوض غمار التغيير وإدراك أن شيئاً تغيّر في البلد، وتحمّل مسؤولياتها في الحل. لكن انتفاضة اليوم باتت أمام تحديات كبرى على رغم استقطابها فئات مختلفة من طلاب الجامعات الى تلامذة المدارس والمهنيين، وتكمن في إطلاق ثورة مضادة بأشكال مختلفة بعنوان التوظيف تقسّم الساحات وتقضي لاحقاً على الثورة التاريخية.




الثورة المضادة التي بدأنا نشهد ملامحها تتصل أيضاً بالبحث في التشكيل الحكومي، إذ إن الدخول الدولي على الخط بلغ ذروته، وهو أيضاً كان له حصة في استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، إذ وفق سياسي لبناني متابع أن الاستقالة لم تكن بسبب الإنتفاضة فحسب، إنما لها امتدادات خارجية في ضوء الصراع القائم بين القوى السياسية التي لا يزال يرهن بعضها البلد للخارج. فإذا قرر “حزب الله” مثلاً على لسان نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم دعم الناس المنتفضين بعد الهزة التي تعرّض لها في أوساطه، فإنه يريد أن تكون لديه ساحات من ضمن الانتفاضة يوجهها في إطار الصراع مع القوى الاخرى، وإن كان يتمسك بالحريري رئيساً للحكومة لكن بشروط القوة، فيما يضع #الحريري شروطاً تتصل بموقعه وبمستقبله السياسي، خصوصاً أنه كان يشكل الحلقة الضعيفة في الحكومة المستقيلة، إذ أثبتت الوقائع أن القرار كان للحزب بتحالفه مع العهد و”التيار الوطني الحر”.

يتبين وفق السياسي المتابع أن التحرك الأوروبي تجاه لبنان، والذي يتصدره الفرنسيون، يهدف الى ترتيب تسوية لتأليف الحكومة والضغط لفرض توازنات تعيد الحريري الى الرئاسة مع هامش للتحرك داخلياً وخارجياً. ويتبين أيضاً أن قوة الحريري اليوم بعد استقالته هي خارجية بالدرجة الأولى بصرف النظر عن قدراته الداخلية. ولا يخرج الحديث عن حكومة تكنوقراط أو تكنوسياسية عن الاتصالات الدولية، وهي لن تبصر النور إلا بعد توافق أوروبي – إيراني يجري وضع الأميركيين في صورته قبل إعلانه، إذا تم التوصل الى تسوية في هذا الشأن، خصوصاً أن الفرنسيين يرون أن لا حل من دون تقديم تنازلات سياسية، وفي شكل الحكومة المنتظرة، التي عليها تقديم طروحات إصلاحية للناس، وتنفيذها لحصول لبنان على المساعدات، وهذه الأخيرة ترتبط بشروط أوروبية وأميركية، لن تقدم أي مساعدات من دون تغيير الوضع السياسي أو التوصل الى تسوية مقبولة، لاسيما في ما يتعلق بدور #حزب_الله، وإلا ما الذي يمنع القوى السياسية من إعادة انتاج التسوية السابقة التي يبدو أنها سقطت الى غير رجعة، وما الذي يجعل حكومة التكنوقراط تحمل هموم اللبنانيين ومطالب المنتفضين، ما لم تكن لديها يدان في الشارع أو تستند إلى كتلة شعبية وازنة قادرة على الضغط. المقصود، وفق السياسي، انه على رغم ثورة اللبنانيين، لم تتشكل حتى الآن كتلة شعبية قادرة على الضغط الى النهاية أمام تصلب تحالف الحكم اليوم. لذا فان حكومة التكنوقراط أو تلك المطعمة بنكهة سياسية لن تمنع بقاء القرار السياسي والهيمنة بيد “حزب الله” والعهد، حتى لو تضمنت أسماء مستقلة، فيما الحريري لا يزال يرفض حكومة من هذا النوع ما لم تكن لديه ضمانات بهامش للتحرك، ومع الصراع حول هذه النقطة يصبح الخارج مقرراً في هذا الشأن، ما دامت القوى السياسية كلها تحاكي الخارج وترهن البلد لحسابات إقليمية ودولية.

ملامح الثورة المضادة بدأت تطل على غير مستوى وصعيد، في وقت يطالب رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري بشخصيات جديدة تعبّر عن توجهاته وتحقق مطالبه، فيما “حزب الله” يصر على ان أي حكومة يجب ألا تنقلب على نتائج الانتخابات النيابية، فيشارك الحريري كغيره وكذلك “القوات اللبنانية” والحزب التقدمي الاشتراكي و”التيار الوطني” وحركة “أمل” وغيرهم وفق تمثيلهم. والحزب لا يزال يقول إن السفارات تسعى الى استثمار الانتفاضة، لذا أطلق خطاباً جديداً قدمه الشيخ نعيم قاسم بوضوح وكان السيد حسن نصرالله أخرج عناوينه في خطاباته، وكأنه يقول “إننا أهل الحراك واصحابه الأصليون”، فلا بد من توجيه الانتفاضة أو ساحات منها إلى مسارات مختلفة والتركيز على إسقاط “حكم المصرف” حصراً بدلاً من أن تبقى الساحات تهتف ضد النظام. وقد بدأ إعداد العدة المناسبة لذلك، إذ إن دعم حلفاء الحزب على الأرض والذين اشار إليهم نصرالله سابقاً يشكل أولوية للحزب اليوم في إطار الصراع على القوة والإمساك بالقرار، في وقت يعرف الحزب أن القوى الأخرى التي اتُّهمت بتحريك بعض الساحات كـ”القوات” وغيرها لم تستطع أن تقدم خطابها الخاص ولا توظيف الحراك سياسياً، فيما الساحات استقطبت الناس الموجوعين من سياسة السلطة وإجراءاتها، لذا تتحرك تشكيلات قريبة من الحزب في الساحات لفصل ساحاتها والمطالبة بحكومة لا يكون فيها الحريري بهدف الضغط، فتصبح ساحة الانتفاضة ساحتين أو أكثر، وكأن الانتفاضة في بعض ساحاتها ترهن لبنان ايضاً للخارج.

إلى الآن ووفق المعلومات، لا يبدو أن “حزب الله” في وارد التنازل، فهو هاجم الانتفاضة في بدايتها بعنوان أن كل ما يحدث هو مؤامرة تهدف الى تطويقه واخراجه من المعادلة، أي المؤامرة على المقاومة، ثم عاد إلى خطاب يتفهم انتفاضة اللبنانيين ويحذر من توظيفها من السفارات، وأخيراً عقد العزم على القول إنه أصل الانتفاضة ولا مناص من توجيه بعض ساحاتها. ومع ذلك أثبت اللبنانيون أنهم قادرون على التوحد وهم أربكوا القوى السياسية والطائفية ومرجعياتها، وبعد 17 تشرين لن يكون كما قبله.