//Put this in the section

الانتفاضة الوطنيّة وتأثيراتها: مؤشِّرات إيجابيّة وأخرى سلبيّة – مروان اسكندر – النهار

الرئيس الحريري أكد انه استشعر وضع المواطنين من تصريحاتهم في التظاهرات التي جرت في 18، 19، 20، 21 و22 تشرين الاول واستمرت الى 27 منه، وكان قد أعلن في بيان موجز بتاريخ 22/10/2019 انه سيقرر ما اذا كان سيستقيل أو إذا كان توصّل الى اتفاق انقاذي مع زملائه في الوزارة.

يوم 21 تشرين الاول كان تاريخ الاعلان عن قراره وقد سبق نهاية الساعات الـ72 بنحو ساعتين حينما أعلن عن رزمة اصلاحات اعتبر انها تبين حسن نية زملائه واستشعارهم لمواقف المواطنين الرافضة حتى تاريخه للاصلاحات المقترحة. وأعلن رئيس الجمهورية انه يوصي برفع السرية المصرفية عن حسابات النواب والوزراء والمديرين العامين وعائلاتهم، وهذه الخطوة لن تنفع لان حسابات المعنيين في غالبيتهم خارج لبنان.




المظهر الاول للتعاضد المطلبي تجلى في ان المحتجين الذين تجاوزت اعدادهم الـ1.5 مليون متظاهر كانوا يعبرون عن انتسابهم إلى لبنان كوطن لا إلى أي طائفة أو زعيم، واعداد المنتشرين في الساحات والشوارع وحتى حول القصر الجمهوري اذهلت الوزير باسيل الذي كان هدد قبل ثلاثة أيام بالنزول الى الشارع، وهو أدرك ان الشارع ليس معه وان الثقل المسيحي يتبدد من يديه وأنه بات متمركزًا مع “القوات اللبنانية” – التي نالت في الانتخابات النيابية أصلاً أكثر من أصوات مرشحي “التيار الوطني الحر” – و”المردة” والكتائب والمستقلين. على صعيد آخر، بدا ان الاحتجاجات الاقسى عبرت عنها السيدات والصبايا، أي نساء لبنان الامهات ومن هن على الطريق، وهؤلاء أوجاعهن عبرت عن خوفهن من المستقبل ومن انغلاق الفرص أمام أبنائهن.

تجلى التآلف الوطني اللاطائفي بصورة خاصة في طرابلس التي كانت دائماًً المركز الرئيس للتصلب الاسلامي السني، فإذا بساحتها الرئيسية تشهد على تآخي المتظاهرين وجرأة النساء في التعبير عن تبرمهن من مجريات الامور وبطء التغيير وجفاء المواقف الرسمية. وغياب السلطة عن أي تصريحات مطمئنة خلال اليومين الاولين لانتفاضة الشعب، عززت الشعور بأن الحكام غير معنيين بالشأن العام وحاجات المواطنين والخدمات الرئيسية، والامر العجيب ان بعض المسؤولين كانوا غائبين كليّاً عن تحسس تبرم المواطنين بمنهاج عملهم وتوجهاتهم.

اليوم الاول شهد بعض القساوة في تعامل قوى الأمن الداخلي مع المتظاهرين، واذا بقوى الجيش تتولّى حماية هؤلاء من اليوم الثاني. ومبادرة الجيش برعاية اللبنانيين ليست جديدة وكان الامر المفاجىء في تصرف قوى الجيش انه كان بمبادرة من قيادة الجيش والمجلس العسكري لا من وزير الدفاع الذي حاول تحفيز الجيش على التدخل بقوة لمنع المواطنين من التعبير عن تذمرهم من الحكم وأربابه. والواقع ان المتظاهرين كانوا يتمنون ان يتناقشوا مع وزير يدرك ما هو دور الجيش وقدراته، أي مع قائد شجاع وصاحب رأي واضح هو شامل روكز الذي قاد الفرقة الأكثر شجاعة في الجيش اللبناني سابقًا.

الحكم تأخر كثيرًا في استشعار غليان الرأي العام، وتالياً سارع الى اتخاذ قرارات يريدها الشعب لكن قراراته التي أعلن عنها الرئيس الحريري غير كافية، والاستمرار في تقبل زيادة عجز الكهرباء – باستئجار أربع سفن تضيف الى الدين العام خلال ثلاث سنوات زيادة تبلغ اربعة مليارات دولار وهي زيادة غير مبررة لمّحت اليها وزيرة الطاقة التي تعتبر انها اختصاصية في مواضيع الطاقة وحتى تاريخه لم تحقق أي نتيجة سوى انجاز وصلة المنصورية (التي مهد لها وبررها غبطة البطريرك بشارة الراعي) وزيادة التحصيل 40 مليون ليرة لبنانية شهريًا عن فواتير الكهرباء، وهذا الانجاز كان من شركة BUTEC التي تتولى أعمال صيانة الشبكة الممتدة من شمال بيروت الى عاصمة الشمال طرابلس.

وزيرة الطاقة لا يمكن الاستمرار في توليها هذا الدور بعد العجز الظاهر في ممارساتها، ولو كان “التيار الوطني الحر”، المسؤول الاساسي عن عجز الكهرباء بما يساوي 30 مليار دولار حتى تاريخه دون احتساب الفوائد، واعياً لإبعاد هذا التحدي لكان عهد في وزارة الطاقة إلى النائب والصناعي ورجل الخير نعمة جورج افرام. لكن الوزير باسيل يرغب دائماً في انصياع وزراء الطاقة لارشاداته ويكفي ان تنظر الى نتائج عمله وسيطرته. وزراء الطاقة منذ 2008 اختارهم جبران باسيل وكان واحدًا منهم في سنة العجز الاكبر سنة 2012.

الاصلاحات التي اعلن عنها الرئيس الحريري تتضمّن بضع مبادرات جيدة. في المقابل، ثمة مبادرات غير مجدية والتزامات كنسبة عجز الموازنة غير قابلة للتحقيق.

أولاً: خفض معاشات الوزراء والنواب والمسؤولين عن مؤسسات عامة بنسبة 50 في المئة وخفض التعويضات، وفي المقابل الغاء كل حسم من تعويضات العسكريين.

ثانياً: اقرار انشاء الهيئة الناظمة للكهرباء ( وكانت الوزيرة أكدت ان هذا الامر يستوجب ثلاث سنوات)، والاتصالات وتشكيل هيئة لملاحقة الاصلاحات الاقتصادية. وتقرر الغاء وزارة الاعلام ومجلس المرئي والمسموع وكنا طالبنا بكل هذه الخطوات منذ سنوات، كما طالبنا بالمبادرة الى تعيين نواب حاكم مصرف لبنان الامر الذي أزعج التأخير في تنفيذه الرئيس الحريري.

ثالثًاً: حصر عجز الموازنة لسنة 2020 بـ0.6 في المئة أي دون الواحد في المئة وهذه نتيجة لن تتحقق. فالعجز مع عمل الهيئة المعنية في مجلس النواب لم تختصر الانفاق في السنوات الاخيرة. عام 2018 أكد النائب كنعان ان العجز سينخفض 500 مليون دولار، فإذا به يرتفع 1.2 مليار دولار، وهو أكد ان العجز لن يزيد في 2019 عن نسبة 7.6 في المئة وحتى تاريخه (الشهر العاشر من السنة) تجاوز العجز التسعة في المئة ومرجح ان يتجاوز الـ11 في المئة بنهاية السنة.

دولة الرئيس الحريري، اذا أردت حصر العجز، توجه نحو ايلاء شركة “سيمنز” الالمانية مسؤولية زيادة طاقتنا 3000 ميغاوات خلال سنتين ومقابل قروض لـ20 سنة بفائدة 2 في المئة، وحاور الصينيين لتسيير مرفأ طرابلس وانجاز حائط الحماية له، وتطوير مطار الرئيس رينيه معوض، وربما تأسيس مصرف صيني في لبنان برأس مال مقداره ثلاثة مليارات دولار، فنستطيع حينئذٍ تخطي الأزمة. أما مشروع الوزارة حتى تاريخه فلن يكفي المواطنين، وإذا ظهرت مشكلة سوف تكون المشكلة كبيرة.