//Put this in the section //Vbout Automation

هل استعاد ”التيار” و”الحزب” و”أمل” زمام المبادرة كما يُزعَم؟

ابراهيم بيرم – النهار

أمّا وقد حُرِم الحراك الشعبي في الايام الأخيرة أقوى الاوراق التي استحوذ عليها وكانت الأكثر إيلاماً وتأثيراً ودوياً، وهي ورقة قطع الطرق الرئيسية وفصل العاصمة عن المحافظات، فان السؤال المطروح لدى المرتابين من هذا الحراك والمسرورين به على السواء هو: هل لا يزال في حوزة هذا الحراك المتواصل منذ 17 تشرين الاول الماضي أوراق تأثير مخفية يمكنه ان يلقي بها في اللحظة المناسبة على مسرح الاحداث ليفرض أمراً واقعاً على السلطة ومكوناتها ويدخلها في دائرة الارباك والصدمة والتحدي، على غرار ما حصل في الايام الخمسة الاولى لانطلاق هذا الحراك، ويمنع تالياً على السلطة المضيّ في مخططها لاستيعاب “زهوة” هذا الحراك غير المسبوق؟




الواضح انه في اللحظة التي اضطر فيها الحراك الى التخلي الاكراهي عن استخدام ورقة قطع الأوصال، لاسيما بعدما بلغ سيل النقمة على هذا الاجراء ذروته وباتت قيادة الجيش أمام أمرين لا ثالث لهما: الاول الحد من هذه اللعبة الجهنمية، أو تلقّي المزيد من سهام الانتقاد والتشهير ومحاصرتها بشبهة أدناها التقصير والعجز عن اداء الدور المنوط بها وأقصاها “التواطؤ والتسهيل”، في هذه اللحظة انطلق بأريحية تامة قطار التواصل والتحاور بين القوى الاساسية المتحكمة، فانعقدت الى الآن ثلاثة لقاءات، اثنان منها بين الرئيس سعد الحريري وبين رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل، وثالث سابق بين موفد الرئيس نبيه بري الوزير علي حسن خليل والحريري، في ظل كلام عن “عودة الروح” الى قناة الاتصال بين الحريري و”حزب الله”.

كل ذلك أوحى للمعنيين ان غالبية مكونات السلطة التي تعتبر نفسها اساسية وتملك زمام الحل والربط، صارت تقيم على اعتقاد خلاصته ان الحراك لم يعد يخيف، وانه قد بلغ حدّه الاقصى، ويمكن تالياً الشروع في لعبة التواصل وفتح بازار الشروط المتبادلة والرؤى المتعارضة للوصول الى قواسم مشتركة تتيح اعادة استيلاد الحكومة ضمن شروط ومناخات اكثر هدوءاً، بمعزل عن تأثير الشارع وصوته المدوي هتافات وشعارات.

لم يعد خافياً ان القيادة العميقة للحراك باتت تستشعر الآن ان استقالة الرئيس الحريري لم تكن كما خالت ابتداءً أنها قطفٌ لأولى ثمار الانتصار وأول الاستجابات لما رفعته من شعارات، بل يمكن إدراجها بشكل او بآخر في خانة جزء من لعبة سلطوية مخفية لاستيعاب هجمة الحراك العاتية ومن ثم انهاكه تدريجاً وتقليص دائرة الاعجاب به الى أدنى الحدود، بل تحويله الى عبء على البلاد والعباد.

وبحسب وقائع ومعطيات، فان الهجمة المضادة للحراك من جانب مكونات السلطة الثلاثة، اي “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” وحركة “امل”، قد اعتمدت بدءاً من اليوم السابع للحراك، وتحديداً بعد استقالة الرئيس الحريري خرقاً للتفاهم الاساسي المعقود معه، خطة استيعاب متدحرجة على النحو الآتي:

– تبنّي قراءة عميقة للحراك بناء على تحليل ومعلومات تنهض على العنوان العريض الآتي: ان ثمة من لا يمانع في ان يتحول الحراك الى “فوضى مضبوطة” تحرج من يتعين ان تحرجه وتربكه وتفقده الاتزان، مما يسقط الى حد بعيد نظرية سادت أعواماً وهي ضرورة توفير سقف للوضع اللبناني للحيلولة دون تدهوره وانفلاته لكي يُمنع وقوعه بيد القوة الأقوى، أي “حزب الله”.

– بناء عليه، برزت لدى الحزب والقوى الحليفة نظرية “الصبر الجميل على المكاره”، وترجمتها العملانية التحلّي بضبط الاعصاب الى اقصى الحدود والحذر من الانجرار الى اي احتكاكات واشكالات أياً يكن الامر، ولاسيما في لحظات التوتر والاحتقان القصوى، اي لحظة قطع الطرق الرئيسية، على رغم موجات الاستياء العارم التي سادت أياماً عدة بيئة “الحزب” و”التيار البرتقالي” وحركة “امل”.

– ولاحقاً، وجهت هذه القوى مجتمعة رسالة قوية وحازمة الى كل من يعنيهم الامر، وخصوصاً في قيادة الجيش والاجهزة الامنية، انطوت على رزمة خطوط حمر سيكون، اذا تم تجاوزها بعد اليوم، شأن آخر وتوجه عملي مشترك، وبمعنى آخر لا سكوت بعد اليوم عن اي قطع للطرق.

ولم تكن هذه الرسالة القوية لتوجَّه إلا بعدما أيقنت هذه القوى حجم الاعتراض الشعبي على عملية قطع الطرق صبيحة كل يوم، وانها اوشكت ان تفقد الحراك آخر ارصدته عند الشريحة الاوسع من الناس.

– وكانت الضربة الاكثر قوة ودوياً هي في تأخير الرئاسة الاولى موعد الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس آخر للحكومة او اعادة تكليف الرئيس المستقيل اذا ما رغب، اتكاء على واقع انتفاء نص دستوري يجبر الرئاسة الاولى على تحديد مهلة ملزمة للانطلاق في هذه الاستشارات.

وعلى الهامش، انطلق الحوار المؤجل بين الرئاستين الاولى والثانية من جهة، والرئاسة الثالثة من جهة اخرى. وهو حوار على ما يبدو شاق ومفتوح زمنياً، لكنه انطوى ضمناً على استنتاج فحواه ان ثمة ارادة في اعادة إحياء تفاهمات سابقة اعتقد البعض ان تطورات ما بعد انطلاق الحراك قد ألغتها او على الاقل فتحت باب تعديلها.

وبحسب معطيات غزت بعض الاوساط، ان الرئاسة الاولى ليست مستعجلة لتحديد موعد بدء الاستشارات الملزمة ما لم يتحقق خرق ما في الحوار الدائر حالياً، وترسو الامور بنتيجته على تصور معين لكل المرحلة المقبلة حكومياً وسياسياً.

جملة هذه الامور مجتمعة هي، في رأي الاطراف الثلاثة (“التيار” و”الحركة” و”الحزب”)، انما تدل على امر اساسي هو انها استعادت الى حد بعيد زمام المبادرة، او على الاقل تشعر ضمناً انها تحررت من وطأة الحراك بعدما افقدته اهم اوراقه وجعلته يلجأ الى الاوراق المألوفة وهي لعبة الاعتصامات امام مؤسسات رسمية، كما تحررت في الوقت عينه من تداعيات صدمة استقالة الحكومة.