//Put this in the section //Vbout Automation

طلاب الجامعات وتلامذة المدارس يطلقون ريح الثورة جيل جديد يكسر الولاءات ويؤسس للنهوض والتغيير

ابراهيم حيدر – النهار

مشهد تلامذة المدارس وطلاب الجامعات يخرجون من صفوفهم الى الساحات في تظاهرات عفوية جماعية ضد السلطة الفاسدة، أعطى روحاً للثورة وزخماً وتحفيزاً للاستمرار حتى تحقيق المطالب التي رفعها اللبنانيون المنتفضون لإنقاذ البلد من وضعه المأسوي الذي طبعته الطبقة السياسية وحاولت تحميل الشعب اللبناني أعباءه ومسؤولية الخروج من الأزمة عبر الضرائب والاستمرار في نهب الأموال العامة. وليس خروج التلامذة والطلاب إلا تأكيداً لاستعادة الكرامة الإنسانية والبحث عن وطن يستحقهم وينقذهم من براثن السلطة التي تدفع البلد إلى الإنهيار.




خرج التلامذة من مدارسهم بالأمس، وانطلقوا إلى مدارس أخرى في تظاهرات واعتصامات عمّت لبنان. تمرّدوا على الولاءات وعلى الإرغام والتزلف، ولم يتركوا لإدارات المدارس ولا للأهالي أي ثغرة لتقييدهم أو منعهم من ممارسة حقهم الديموقراطي في التظاهر إلى جانب الانتفاضة المجيدة التي لم يشهد لها لبنان مثيلاً في تاريخه. جاءت الشرارة الأولى من صيدا أول من أمس، التلامذة لم يستمعوا إلى رسالة الاعتذار من بعض أهالي التلامذة في مدرسة السيدة للراهبات المخلصيات عبرا إلى الأخت منى وازن، فقرروا مع رفاقهم في مدارس أخرى النزول الى ساحة إيليا في المدينة مرددين هتافات الثورة الجامعة ضد السلطة وليس ضد المدرسة ذاتها. أما اللافت فكان خروج طلاب وتلامذة في صور والنبطية برغم ضغوط البيئة السياسية والطائفية، من مدارس وجامعات، مخاطبين رفاقهم في جونية وجبيل وطرابلس وعكار وجبل لبنان والشوف، يعيدون للتلامذة كرامتهم ضد التضييق والقمع وقرارات العقوبات في حال شاركوا في التظاهرات، وليعيدوا النبض الى الحركة الطالبية التي شكلت قبل الحرب الطليعة الفاعلة وكانت في موقع الفعل في كل التحركات الاجتماعية والمعيشية.

الانتفاضة الطالبية وتلك التي ميزت تلامذة المدارس، أعادت للانتفاضة وهجها وهي تشكل رداً على كل الاتهامات التي تطال الثورة، فلا السفارات حرّكتهم ولا التمويل أنزلهم إلى الشارع أو أخرجهم من صفوفهم، لا بل الأزمة التي تضرب لبنان وجعلت مستقبل هذا الجيل أمام المجهول. والأهم أن شعارات غالبية التلامذة والطلاب لا ترتبط بمطالب خاصة بل هي تنتسب إلى طرح الانتفاضة، ولا قيادة سياسية تحرّكهم، بل وعي للأخطار التي تعصف بالبلد وتلك التي تحيق بمستقبلهم، ونزولهم في كل المناطق اللبنانية وأمام بعض المرافق العامة هو رد على تلك الدعوات التي تراهن على انهاء الانتفاضة، وهم رددوا مع طلاب الجامعات “ما بدي شهادة أقعد بالبيت” و “لا أريد أن ينتهي بي المطاف للسفر إلى الخارج أو الهجرة إلى بلاد الله الواسعة. فصدح صوت الطلاب في الساحات وأمام المدارس، ليؤكدوا أنهم ليسوا فئة ضالة أو مشاغبة، فهم يعيدون للتربية اعتبارها، وأيضاً يتمردون على العصا والحائط، والخروج من “الثكنات” التي تكبلهم وتجعلهم أداة مطيعة أو طيّعة في أيدي السلطات.

ها هو سلاح الانتفاضة الجديد السلمي والفاعل يخرج من القمقم، وها هم طلاب الجامعات وتلامذة المدارس يذكرون اللبنانيين أنهم خزان الثورة وروحها، وإن كانت تحركاتهم تحتاج الى تراكم تجارب. لكن قوتهم في عفويتهم، وليست بقرار كما كان يحصل في الستينات والسبعينات من العام الماضي عندما كانت الحركة الطالبية اللبنانية وخزانها في الجامعة اللبنانية طليعة في الاحتجاجات الاجتماعية والمعيشية. التلامذة اليوم والطلاب هم السلاح السلمي الأمضى وهم المعنيون أكثر من غيرهم في الدفع نحو التغيير عبر الثورة على السلطة وفسادها. وقد شعر هؤلاء أن التضييق الذي مورس ضدهم تارة بالضغوط في المدارس وبعض الجامعات، وثانية بإرباكهم في فتح المؤسسات التعليمية، أنهم بين خيارين، إما أن يكونوا الى جانب الانتفاضة وهم أمام مستقبل ضائع في ظل انعدام فرص العمل ما لم يحصل التغيير، وإما الاستسلام للواقع الراهن والاستمرار أيضاً في دفع الكلفة، بدءاً بالأقساط المدرسية والجامعية التي تثقل كاهل اللبنانيين مع الديون المصرفية، وهم الذين يدفعون أكثر من نصف دخلهم لتعليم أبنائهم ثم يكتشفون أنهم سيبقون عاطلين عن العمل في أسواق مقفلة. لكنهم اختاروا الانتساب الى الانتفاضة بوعي وحماس والدفع بها الى الفاعلية، فيشكلون خط الدفاع الأخير عنها للوصول الى دولة علمانية عادلة، وهذا جزء أيضاً من مطالبهم التعليمية في المناهج وفي التعليم.

المهم في نهضة التلامذة والطلاب أنهم انطلقوا من مدارسهم وجامعاتهم، وهذه نقطة تسجل لهم. ذهبوا الى المدارس وإلى الجامعات، منها جامعات خاصة وبعض فروع الجامعة اللبنانية التي انتفض طلابها على كل محاولات الإطباق عليهم، ثم مدارس من كل الاتجاهات، كاثوليكية وعلمانية وبعض الإسلامية، فلم يلتحقوا بصفوفهم، بل قادوا بالأمس الثورة بوقفاتهم الاحتجاجية، ثم في مسيرات واعتصامات أمام بعض المرافق العامة التي تفوح منها روائح الفساد، مرددين شعارات الثورة ومعددين مطالبهم، فيما رفع بعضهم شعارات تطالب بتشكيل حكومة ثقة انتقالية لحل أزماتهم ومعالجة مشكلات البلد ومكافحة الفساد واستعادة الاموال المنهوبة، وأخرى تتعلق بالقطاع التربوي. ولم يقتصر الامر على فئة من التلامذة والطلاب إنما شمل كل الطلاب من الطوائف والمذاهب، وكأنهم يقولون للسلطة أن لا حرب بعد اليوم ولا طائفية، والثورة هي المستقبل.

ثورة الطلاب والتلامذة تذكر اللبنانيين أنه عندما ينزل هؤلاء الى الشارع، فذلك يعني عدم العودة إلى الوراء. وبالفعل حين كانت الحركة الطالبية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي تخرج من أحرام الجامعات تشكل فاعلية استثنائية للاحتجاجات الشعبية، وإن كانت الصراعات في البلد تختلف عما هي اليوم، خصوصاً بوجود نقابات واتحادات عمالية ترفع شعارات بعضها يصب في السياسي مباشرة. ولعل نقطة التقاطع في حركة الطلاب والتلامذة مع تلك الفترة من تاريخ لبنان، أن مجرد نهوضهم ونزولهم الى الشارع يعطون للانتفاضة روحاً جديدة، فعندما كان يتحرك طلاب الجامعة اللبنانية ضمن الاتحاد الوطني للطلاب في الشوارع كانوا يقطعون شرايين نقاط السلطة والنظام، ويتوزعون مجموعات في ساحات محددة للتعبير عن مطالبهم الاكاديمية وأخرى اجتماعية ترتبط بالبلد، لذا شكلت الحركة الطالبية اللبنانية موقعاً فاعلاً واستطاعت تغيير الكثير من الأنظمة وتحقيق مطالب تاريخية.

وها نحن اليوم أمام نهضة جديدة، تحتاج الى المزيد، وهي تعكس وعي جيل جديد غالبيته من مواليد ما بعد منتصف التسعينات من القرن الماضي يكسر الولاءات المطلقة ويعزز ساحات الانتفاضة، لكن في غياب النقابات والاتحادات العمالية التي هي اليوم بقبضة قوى السلطة. وهذا وحده يؤكد وعي التلامذة والطلاب الذين تحركوا بعفوية لكن بوعي استثنائي لمصير البلد، وهم السلاح الأنقى للإنتفاضة، فلا قوى توجههم ولا قيادات تحركهم، وإن كانت بعض القوى ومكاتبها الحزبية والسياسية وبعض النظام التربوي يريد تقييدهم ومحاصرة هذا المارد الذي ظهر ويراهن على استمراريته وتقديمه صورة نقية للبنان المستقبل.

تؤكد ثورة الطلاب والتلامذة أنهم ليسوا اليوم على الهامش، هم قدموا أنفسهم فاعلين في الشارع وقادرين على الاستقطاب وانتشال اللبنانيين من الإحباط. هم تقدموا بتحركهم على اساتذتهم وأكدوا انهم قادرون على كسر الهيمنات الطائفية والمذهبية والأيديولوجية. بالأمس كان طلاب لبنان موحدين قبل أن تعصف الحرب بالبلد، لكنهم اليوم واعون ألا يكون مصيرهم كمصير أجيال سابقة شكلت وقوداً للحروب الأهلية. هم أطلقوا الروح الجديدة للثورة ويمكنهم أن يراكموا، ليس لتغيير نظام التعليم والمناهج، بل مع الانتفاضة لبناء دولة علمانية تجمع اللبنانيين كلهم من أجل المستقبل.