//Put this in the section //Vbout Automation

سياسة المكاسرة تهدم لبنان؟

راجح الخوري – النهار

بعد ١٩ يوماً من إنفجار الإنتفاضة العارمة التي شملت لبنان من أقصاه الى أقصاه، تبدو الدولة في كوكب والشعب في كوكب آخر، الأسوأ ان الأمور دخلت مرحلة خطرة من سياسة المكاسرة، سوى على مستوى العلاقة بين المسؤولين، او في الإنقطاع بين ما يطالب به المنتفضون وما تقوم به الدولة الواقعة في الشلل والعجز!




قدم الحريري إستقالته بعد ١٣ يوماً من إندلاع التظاهرات، وبعدما كان قد أعطى المسؤولين على مستوى القرار السياسي مهلة ٧٢ ساعة للإنخراط الجاد في تعديل وزاري، يرد على مطالب الإنتفاضة، ويفتح الباب للبدء بإلتقاط الوضع المتفجر. وعلى رغم أنه كان قد أبلغ كل القوى السياسية عزمه على الإستقالة، كما قال الرئيس نبيه بري و”حزب الله”، جاء الإجتياح العنيف لساحتي الشهداء والسرايا وتدمير خيام المعتصمين وسقوط ١١ جريحاً، دافعاً إضافياً للإستقالة، التي اعتبرها الرئيس ميشال عون و”التيار الوطني الحر” نوعاً من إلقاء كرة النار اليهما، بعد مطالبة المتظاهرين بحكومة اختصاصيين تستبعد من صفوفها الأسماء المستفزة وتحديداً الوزير جبران باسيل!

كان يمكن رئيس الجمهورية ان يعلن حال طوارئ سياسية، فيدعو كل السياسيين للبحث في إيجاد مخرج يعالج الأزمة المتفجرة، لكنه دعا المسؤولين عن الحراك الشعبي لمعرفة مطالبهم، المعلنة والمتكررة والصريحة، ثم دعاهم الى الحوار قائلاً إن مطالبهم هي مطالبه، ولكن ما يطلبه المنتفضون لا يمكن ان يلتقي مع الدولة إلا على قاعدة واحدة : حكومة إختصاصيين تؤسس لمرحلة إنتقالية وتبدأ بمحاربة الفساد الذي يعترف به الوسط السياسي علناً! وعندما يقول عون إن أولى مهمات الحكومة الجديدة متابعة عملية مكافحة الفساد، ليس غريباً إذا تساءل المنتفضون: ومتى بدأت مكافحة الفساد لتتابع، وهل هناك من فاسد واحد اكتشف في ادارات الدولة المنهوبة ومؤسساتها ووزاراتها؟ ومن حق المنتفضين الذين يطالبون بحكومة إختصاصيين، ان يتساءلوا وما هي تلك الحكومة الجديدة التي يتحدث عنها الرئيس، الذي يستمهل في الدعوة الى إستشارات نيابية لتكليف رئيس حكومة، رغم ان البلاد على كف عفريتين: عفريت الفوضى الأمنية التي تلوح في كل ساحة من الجنوب الى الشمال، ربما لأن هناك طوابير خامسة مدسوسة تخطط لتخريب تلك الصرخة التاريخية التي تخطت كل الأحابيل الطائفية والمذهبية هاتفة بصوت وطني واحد كلنا لبنانيون شركاء في المطالبة بوطن وكرامة وهوية لائقة وفرصة عمل وعدالة ورعاية. وعفريت الازمة الاقتصادية المتفاقمة التي تضع البلاد على حافة الإفلاس، خصوصاً الآن بعدما زادت المخاوف من ان تشيح الدول المانحة بنظرها عن لبنان الذي بات يشكل في نظرها مضيعة للمعالجات ومحرقة للمساعدات!

تسعة أيام على استقالة الحريري، ونراوح عند مشاورات للإستئناس، صحيح ان الدستور لا يلزم الرئيس مهلة محددة للبدء بالإستشارات، لكننا في وضع إستثنائي، أولم يكن من الأجدى ان يتم الإستئناس بالتعاون مع الرئيس المكلف، وهل من الضروري ان يظن اللبنانيون ان زيارة الوزير باسيل للرئيس الحريري تأخذ شكل التبليغ، بأن هذه هي الحكومة تقبلها أو نكلف غيرك، في وقت كانت أوساط الحريري تعلن صراحة أنه لا يستجدي التكليف وأنه ينأى بنفسه عن المساومات؟ وإذا كانت هذه سياسة مكاسرة مع الحريري، فإن الحديث عن حكومة سياسية وحتى تكنوسياسية يبدو مكاسرة ثانية مع الإنتفاضة، التي تريد حكومة تكنوقراط تستبعد كل هذا الطقم السياسي الذي تشتعل النار الشعبية في أذياله فلا يحس!